قلت:
لقد سمعت مثل هذا كثيرا.. بل إنهم كلهم يقول هذا.
قال:
من ذلك الوقت علمت أن حياة محمد (ص)
القصيرة لا تستطيع أن تعبر عنه كل التعبير.. لذلك، فإن كل الورثة هم في الحقيقة
امتداد لحياة محمد (ص).. لأنهم لا يستلهمون
سلوكهم إلا منه([438]).
قلت:
فهل كان في سلوك محمد (ص) ما كان مدرسة تعلم
منها الورثة ذلك الزهد؟
قال:
لقد كان سلوك رسول الله (ص) مدرسة تعلمت منها كل
الأجيال.. وتلاميذ رسول الله (ص) لا يخلو منهم زمان من
الأزمان.
سأضرب لك مثالا على ذلك
بتلميذ رسول الله (ص) الأكبر علي بن
أبي طالب الذي كان رمزا للعدالة والأمانة وكل القيم الإنسانية الرفيعة..
لقد روي أن معاوية سأل ضرار
ضمرة: صف لي عليّاً. فقال: أو تعفني؟ قال: بل تصفه لي قال: أو تعفني؟ قال: لا
أعفيك، قال: أما إذ لا بد، فإنه والله كان بعيد المدى شديد القوى، يقول فصلاً،
ويحكم عدلاً، يتفجر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه، يستوحش من الدنيا
وزهرتها، ويستأنس بالليل وظلمته، كان والله غزير الدمعة، طويل الفكرة، يقلب كفه،
ويخاطب نفسه، يعجبه من اللباس ما خشن، ومن الطعام ما جشب([439]).. كان
والله كأحدنا؛ يجيبنا إذا سألناه، ويبتدينا إذا أتيناه، ويأتينا إذا دعوناه، ونحن
والله مع تقريبه لنا وقربه منا لا نكلمه هيبة، ولا نبتديه لعظمته، فإن تبسم فعن
مثل اللؤلؤ المنظوم، يعظم أهل الدين، ويحب المساكين، لا يطمع القوي في باطله، ولا
ييأس الضعيف من عدله، فأشهد بالله لرأيته في بعض مواقفه، وقد أرخى الليل سدوله،
وغارت نجومه، وقد مَثُل في محرابه قابضًا على لحيته، يتململ تململ السليم ويبكي
بكاء الحزين، فكأني أسمعه وهو يقول: يا دنيا يا دنيا أبي تعرَّضْتِ، أم لي
تشوَّقْتِ، هيهات هيات، غُرِّي غيري؛ قد بتتك ثلاثًا، لا رجعة لي فيك، فعمرك قصير،
وعيشك حقير، وخطرك كبير، آه من قلة الزاد، وبعد السفر، ووحشة الطريق.
[437] ذكرنا هذه العبارة في مقدمة هذه الرسالة على لسان
(معلم السلام)
[438] وفي هذا المعنى ما يذكره العلماء من أن كل كرامة
لولي هي في الحقيقة امتداد لمعجزات الرسول (ص) لأنه لولا المتابعة الصادقة لرسول
الله (ص) ما حصلت له تلك
الكرامة، فلذلك نقول هنا: (لولا المتابعة التامة لرسول الله (ص) ما حصل للورثة ذلك
السلوك الرفيع الذي تميزوا به)