قال: بل الزهد لا يكمل إلا
بالملك، فمن السهل أن يدعي المعدم الزهد، وما أصعب أن يدعيه المالك([434]).. لقد
قال رسول الله (ص) يبين هذا: (الزهادة
في الدنيا ليست بتحريم الحلال ولا إضاعة المال، ولكن الزهادة أن تكون بما في يد
الله تعالى أوثق منك بما في يدك، وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أصبت بها أرغب منك
فيها لو أنها أبقيت لك)([435])
قلت:
أنت تكر على كل المعارف التي أقنعتني بها لتمحوها.. ألست ترى نفسك متناقضا؟
قال:
لا.. يستحيل على من تعلم من محمد (ص) أن
يقع في التناقض..
قلت:
فقد كنت أسمعك تقرأ من كتابك، وتحدث عن نبيك أروع النصوص في ذم الدنيا..
قال:
الدنيا المرادة من تلك النصوص ليست هذا الزمان الذي نعيشه.. ولا هذه الأرض التي
نعيش فوقها.. والتي يمكن أن نجعل منها مسجدا كبيرا لطاعة الله وعبوديته.. ولكنها
الدنيا التي ترتبط بالهمم.. الهمم التي تقصر نظرها على نصيبها المحدود غافلة عن
نصيبها غير المحدود.
إنها
دنيا الغافلين الذين اشتغلوا بما رأو من عاجل النعيم عن آجله، فانهمكوا ينتهزون
فرصة العمر في استيعاب ما استطاعت لهم قواهم من أصناف اللذات.
ومع
ذلك فإن النصوص المقدسة لا تعيب على هؤلاء ما انهمكوا فيه من أصناف النعيم، بل
تعيب عليهم اشتغال أنفسهم وهممهم به عن التدبر فيما بعده:
ولهذا
يجمع الله تعالى بين همتي المؤمنين الذين ترقت هممهم فلم تقف مع زينة الحياة
الدنيا، ولم تحبس نفسها في قيودها مع همة الكافرين التي باعت نفسها لأول ما لاح
لها من مظاهر الزينة، قال تعالى:﴿ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ
الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ
[434] والزهد يشملهما جميعا خلافا لمن زعم غير ذلك، انظر
رسالة (كنوز الفقراء)
[435] رواه الترمذي، وقال: حديث غريب، وراه ابن ماجة
والطبراني.. وغيرهم.