من نبات
الزهد.. لقد أشار رسول الله (ص) إلى هذا
في حديثين أساء البعض فهمهما:
أما الأول فهو ما روي أن
رجلا جاء للنبي (ص)، فقال: يا رسول
الله، والله إني لأحبك، فقال: (انظر ماذا تقول؟) قال: والله إني لأحبك، ثلاث مرات،
فقال: (إن كنت تحبني فأعد للفقر تجفافا([431])، فإن
الفقر أسرع إلى من يحبني من السيل إلى منتهاه)([432])
وأما الثاني، فهو ما روي
أن رجلا جاء إلى النبي (ص)، فقال: يا رسول
الله، دلني على عمل إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس، فقال: (ازهد في الدنيا
يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس)([433])
قلت: فما الخطأ الذي وقع
في فهم الحديث الأول؟
قال: لقد تصور البعض أن
النبي (ص) في هذا الحديث يفضل الفقر
على الغنى.. فأخطأوا، فما كان النبي (ص) ـ وهو
العارف بربه ـ أن يفضل بلاء على بلاء، أو نعمة على نعمة.
قلت: فما الصواب الذي
تفهمه أنت؟
قال: إن النبي (ص) في ذلك الحديث يبين أن من آثار محبة رسول الله (ص) التي تملأ قلب المحب رفع قيود العبودية للدرهم والدينا.. وهو
بذلك يصبح فقيرا لا يملك شيئا، لأنه يعتقد أن كل ما يملكه ملك لله، فهو يرسله ذات
اليمين وذات الشمال كما كان يفعل محبوبه.
قلت: والثاني؟
قال: لقد تصور البعض أن
الزهد يجلب محبة الناس، لأن الزاهد قد كف شره عن الناس، فهو لا ينافسهم فيما
يتنافسون فيه.
قلت: وما تفهم أنت من
الحديث؟
قال: الزاهد الكامل هو
الذي لا يكف شره عن الناس فقط.. وإنما من ينالهم من خيره ما يملأ قلوبهم محبة له.
قلت: إن ذلك يستدعي أن
يكون الزاهد مالكا، والزهد يتنافى مع الملك.