وفي
هذه الآية تصوير بديع لسخرية الكافرين الذين استغرقوا في حب الدنيا، وعبادتها، بل
فنوا فيها عما سواها من المؤمنين الذين تعاملوا مع الدنيا بعقولهم لا بشهواتهم،
وبربهم لا بأنفسهم، وبدينهم لا بأهوائهم.
جاء
ذلك الصبي الصغير الذي أدخلني إلى بيت أويس، وقال ـ وقد كان يتابع حديثنا على كثب
باهتمام شديد ـ: لقد صنف أهل الله فرق هؤلاء وطوائفهم كما يصنف قومنا الأحزاب
والمذاهب والأجناس.. ولكن الفرق بينها هو أن هذه الطوائف تنتشر في كل مكان،
كانتشار النار في الهشيم.
ومن
الطوائف ـ التي ذكرها العلماء([436]) ـ
طائفة غلبهم الجهل والغفلة فلم تنفتح أعينهم للنظر إلى عاقبة أمورهم، فتصوروا أن
المقصود من الدنيا أن نعيش أياماً نجتهد نجتهد فيها على كسب القوت ثم (نأكل حتى
نقوى على الكسب، ثم نكسب حتى نأكل، فيأكلون ليكسبوا ثم يكسبون ليأكلوا)
وهذا
دين أكثر الخلق ممن ابتلاهم الله بالحاجة للعمل، بل حتى ممن لم يبتلوا من الذي صار
العمل عندهم هواية وشغلا للقلب والقالب.
وليس
العمل هو المعيب في سلوك هؤلاء، وإنما المعيب هو انشغالهم بالعمل عن الغاية التي
وجدوا من أجلها، قال الغزالي: (وهذا مذهب الفلاحين والمحترفين ومن ليس له تنعم في
الدنيا ولا قدم في الدين؛ فإنه يتعب نهاراً ليأكل ليلاً ويأكل ليلاً ليتعب نهاراً،
وذلك كسير السواني فهو سفر لا ينقطع إلا بالموت)
ومن
الطوائف طائفة ترقت عن هؤلاء، فزعمت أنها تفطنت لما لم يتفطن له من قبلها، فقالت:
(ليس المقصود أن يشقى الإنسان بالعمل ولا يتنعم في الدنيا؛ بل السعادة في أن يقضي
وطره من شهوة الدنيا).. وهؤلاء هم الذين انصرفوا إلى الشهوات، فما جمعوه في النهار
بالعناء والجهد يقضون عليه في الليل بالشهوات والملذات.
وهذا
الفكر الدنيوي الذي تتبناه هذه الطائفة هو الفكر الذي تغرسه المدنية الغربية
باعتباره بديهية البديهيات، فلذلك تستنكر من يذم الدنيا، وكأنها تعتبر نفسها
المقصودة بكل ذلك الذم.
ومن
الطوائف من (ظنوا أنّ السعادة في كثرة المال والاستغناء بكثرة الكنوز، فأسهروا
ليلهم وأتعبوا نهارهم في الجمع، فهم يتعبون في الأسفار طول الليل والنهار ويترددون
في الأعمال الشاقة ويكتسبون، ويجمعون ولا يأكلون إلا قدر الضرورة شحاً وبخلاً
عليها أن تنقص، وهذه لذتهم، وفي ذلك دأبهم وحركتهم إلى أن يدركهم الموت؛