قلت:
ولكن بتلك الكنوز نستطيع أن نعمر الدنيا التي أمرنا بعمارتها؟
قال:
يستحيل أن نعمرها إذا كان في عقولنا التفكير القاروني.. فالتفكير القاروني المتعلق
بالدنيا يحب الكنوز.. والكنوز تتنافى مع العمارة.. لأن الكنوز تهتم بالبنيان أكثر
من اهتمامها بالإنسان.. ولا يمكن للحضارة أن تقوم على البنيان وحده.
قلت:
فكيف نمحو التفكير القاروني من عقولنا؟
قال:
عندما نعلم أن هذه الحياة التي نعيشها ونتفانى من أجلها حياة دنيا.. وأن هناك حياة
أرفع منها.. وأنه لا يمكن أن نظفر بتلك الحياة إلا بعد أن نترفع على هذه الحياة.
هذا
ما كان يعلمه رسول الله (ص) أصحابه.. وهذا ما كان
يربيهم عليه.. فلذلك استطاعوا أن ينشئوا أعظم حضارة عرفتها البشرية في تاريخها
الطويل.
سكت
قليلا، ثم قال: سأذكر لك بعض النصوص التي تبين لك هذا.. لتكتشف من خلالها مدى
النصح العظيم الذي نصح به محمد (ص) أمته حتى لا تغرها
الحياة الدنيا عن الحياة الحقيقية:
لقد
روي أن رسول الله (ص) قال لأصحابه حين رأى
فرحهم بمال قدم عليهم: (أبشروا وأملوا ما يسركم، فوالله ما الفقر أخشى عليكم،
ولكني أخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما
تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم)([423])
وروي
أنه (ص) قال: (إن مما أخاف عليكم من بعدي ما يفتح عليكم من زهرة
الدنيا وزينتها)([424])
وقال (ص): (إن
الدنيا حلوة خضرة وإن الله تعالى مستخلفكم فيها، فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا
واتقوا النساء)([425])
التفت
إلي، وقال: إن محمدا (ص) في هذه الوصايا يحذر
من الاستغراق في الدنيا والانشغال بها.. وهو ما يؤدي إلى التنافس فيها.. وهو ما
يؤدي إلى الصراع.. ولا يمكن للصراع أن يولد إلا الهلاك.
ولهذا
كان رسول الله (ص) يضع البدائل عن
الاستغراق في جمع كنوز الدنيا وملذاتها بالاستغراق في جمع الأعمال الصالحة..
فالأعمال الصالحة هي الباقية، أما ما عداها فـ ﴿ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ
مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ