قال: كما لا
ينتفعون بزيارة بعضهم لبعض.. إن ما تراه من رشحات الرحمة والعدل التي يبدونها في
بعض الأحيان لا تنطلق إلا من هذا البيت وأمثال هذا البيت.
قلت: فلم تتعب المعارضة
نفسها في تحقيق مطالبها.. فلو أنها اتخذت بيتا مثل هذا البيت لنالت مطالبها من غير
عناء؟
قال: وأين الحرص والطمع؟..
فهما الذئبان العاويان اللذان لا هم لهما إلا القضاء على حقيقة الإنسان.. لقد ذكر
رسول الله (ص) ذلك، فقال: (ما ذئبان
جائعان أرسلا في غنمٍ بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه)([407])
بينما نحن كذلك إذ خرج صبي
صغير من البيت، ونادى فينا: من يريد السيد فليدخل.. فإن السيد في انتظاره.
قلت لصاحبي: أترى الصبي
يقصدنا؟
قال: أجل.. ألا تراه يلتفت
إلينا؟
قلت: فهل تدخل معي.. أم
سأدخل وحدي؟
قال: بل ستدخل وحدك.. أما
أنا فلن يشق علي أن أزوره في أي حين أردت.
دخلت بيتا بسيطا متواضعا،
جلس على كرسي من كراسيه شيخ كبير قد عضته السنون بنابها، لكن ملامح الشباب والقوة
لا تزال تعمر جوارحه، وكأنه شاب لبس لباس شيخ، أو كأنه شيخ احتفظ بإكسير الشباب
ليضمخ به شيخوخته.
ووجدت بجانبه رجلا كهلا قد
مد يده يصافحه، وكأنه يهم بالمغادرة، وهو يقول له: سيدي.. يا طبيب القلوب.. قد
عرفت الرحم التي بيننا، فأوصني.
فدمعت عينا أويس، ثم قال:
(يا أخي، إنما الليل والنهار مراحل ينزلها الناس مرحلة مرحلة حتى ينتهي بهم ذلك
إلى آخر سفرهم، فإن استطعت أن تقدم في كل مرحلة زادا لما بين يديها فافعل، فإن
انقطاع السفر عن قريب، والأمر أعجل من ذلك، فتزود لسفرك واقض ما أنت قاض من أمرك،
فكأنك بالأمر قد بغتك، إني لأقول لك هذا وما أعلم أحدا أشد تضييعا مني لذلك)([408])
[408] هذه الوصية مروية عن داود الطائي رواها محمد بن
أشكاب قال: حدثني رجل من أهل داود الطائي قال: قلت له يوما: ما أبا سليمان قد عرفت
الرحم التي بيننا فأوصني، قال:.. ثم ذكر الوصية. (صفة الصفوة)