انصرف الرجل، وبقيت وحدي،
فالتفت إلي، وقال، والابتسامة تشع من محياه: يزعم الناس أني زاهد، فلا تقل قولهم..
فإن الزاهد من زهد في الحقير، لا من زهد في العظيم.. الزاهد من باع سعادة الأبد
بسعادة وهمية سرعان ما ينكشف له عوارها([409]).
قلت: من تقصد؟
قال: أقصد هؤلاء الخلق
الذين انشغلوا بالأدنى عن الأعلى.. ورضوا بالقليل، وتركوا الكثير.. وباعوا الله
وفضل الله ورضوان الله ليشتروا بدله السراب الذي لا يغنيهم من جوع، ولا يرويهم من
ظمأ؟
قلت: ولكن الخلق تواطأوا
على أن يسموا أولئك (حريصين)، وأن يسموك أنت ومن معك زهادا.
قال: ما أكثر ما يخطئ
الخلق في تعابيرهم.. إنهم يسمون الأشياء بغير مسمياتها.
قلت: فممن نتعلم تسمية
الأشياء بأسمائها؟
قال: من الله.. لقد علم
الله ﴿ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ (البقرة:
31).. ولكن بني آدم سرعان ما نسوا ما علمهم الله من أسماء، وراحوا يبتدعون ما شاءت
لهم أهواؤهم منها.
قلت: فهل ذكر الله في
كلماته المقدسة الحرص والزهد؟
قال: لا يمكن للكلمات أن
تكون مقدسة ما لم تعلمك حقائق الوجود، وما تقتضيه حقائق الوجود.
قلت: فما قالت كلمات الله
المقدسة في هذا؟
قال:
لقد امتلأ القرآن الكريم بذكر الذين زهدوا في الآخرة، وباعوها بالدنيا، وامتلأ
بذكر ما وقعوا فيه من غبن وخسارة:
فذكر
أنهم بتصوراتهم المشوهة عن الدنيا والآخرة واقعون في ضلال بعيد، قال تعالى:﴿
الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ
عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً
[409] حدث أبو محمد العابد قال: دخل أبو يوسف على داود
الطائي فقال له: ما رأيت أحدا رضي من الدنيا بمثل ما رضيت به فقال: يا يعقوب من
رضي الدنيا كلها عوضا عن الآخرة فذاك الذي رضي بأقل مما رضيت.
وقال حماد لداود الطائي: يا أبا سليمان لقد رضيت من
الدنيا باليسير. قال: أفلا أدلك على من رضي بأقل من ذلك؟ من رضي بالدنيا كلها عوضا
عن الآخرة.