وغلوها،
تقشعر منها الجلود، وتفزع القلوب، وتدهش العقول، وهي قليل من كثير جدا.. لقد قال هذا
المؤرخ: (زاد عدد الرهبان زيادة عظيمة، وعظم شأنهم واستفحل أمرهم واسترعوا الأنظار
وشغلوا الناس، ولا يمكن الآن إحصاؤهم بالدقة، ولكن مما يلقي الضوء على كثرتهم
وانتشار الحركة الرهبانية، ما روى المؤرخون أنه كان يجتمع أيام عيد الفصح خمسون
ألفا من الرهبان، وفي القرن الرابع المسيحي كان راهب واحد يشرف على خمسة آلاف
راهب، وكان الراهب (سرابين) يرأس عشرة آلاف، وقد بلغ عددهم في نهاية القرن الرابع
عدد أهل مصر)
قلت: ولكن مع ذلك.. فقد
كان نظام الرهبانية من أرقى الأنظمة الروحية في العالم.. بل إن بعض مفكرينا يرى أن
النظام الروحي في الإسلام مستمد من نظام الرهبانية عندنا.
قالت: قد يكون من المسلمين
من وقع فيما وقع فيه رهباننا.. ولكنه بذلك انحرف عن الإسلام انحرافا شديدا.. ذلك
أن نظام الرهبانية يتنافى تماما مع تعاليم الإسلام.
فقد اعتبر الإسلام
الرهبانية بدعة خطيرة في الدين، ففي القرآن عند ذكر التحريف الذي حصل للمسيحية:﴿ ثُمَّ
قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ
وَآتَيْنَاهُ الْأِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ
رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ
إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا
فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (الحديد:27)
ولهذا، فإن الروحانية
الإسلامية تنطلق من مزازين دقيقة تجمع بين الروح والجسد، وبين الفرد والمجتمع..
وبين الدنيا والآخرة.. وهي بذلك تجمع للإنسان كل متطلبات إنسانيته.. وهي بذلك
تختلف تمام الاختلاف عن الرهبانية التي انحرفت لها الكثير من الأديان والمذاهب
والفلسفات.