أخذ الكتاب المقدس، وراح يقرأ: (ثم غادر يسوع تلك
المنطقة، وذهب إلى نواحي صور وصيدا، فإذا امرأة كنعانية من تلك النواحي، قد تقدمت
إليه صارخة: (ارحمني ياسيد، ياابن داود! ابنتي معذبة جدا، يسكنها شيطان) لكنه لم
يجبها بكلمة، فجاء تلاميذه يلحون عليه قائلين: (اقض لها حاجتها. فهي تصرخ في
إثرنا!)، فأجاب: (ما أرسلت إلا إلى الخراف الضالة، إلى بيت إسرائيل!)، ولكن المرأة
اقتربت إليه، وسجدت له، وقالت: (أعني ياسيد!)، فأجاب: (ليس من الصواب أن يؤخذ خبز
البنين ويطرح لجراء الكلاب!)، فقالت: (صحيح ياسيد؛ ولكن جراء الكلاب تأكل من
الفتات الذي يسقط من موائد أصحابها!)(متى 15: 23 ـ 27)
هذا هو الموقف الأول..
أما الموقف الثاني، فإهانته لأمه وسط الحضور، وقوله
لها: (مالي ولك يا امرأة) (يوحنا:2 : 4)؟
أهكذا تكون الرحمة بالأم؟
صمت، فقال: أما محمد.. فقد وصفه ربه بأنه ـ أساسا ـ
رحمة للعالمين، فقال تعالى:﴿ وَمَا
أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (الانبياء:107)
قلت: أي رحمة تزعمها لمن نزل عليه الأمر بالجهاد والقتال؟
قال: إن الجهاد الذي
يضحي فيه المؤمن بنفسه وماله من أجل نصرة المستضعف أعظم مظهر من مظاهر الرحمة، لقد
علل الله الأمر بالجهاد بالرحمة، فقال :﴿ وَمَا
لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ
وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ
هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا