قال
ذلك، ثم نظر إلى الأفق البعيد، وراح يردد بصوت ممتلئ بحشرجة الدموع([432]): إن لله عباداً نصبوا أشجار الخطايا نصب روامق
القلوب، وسقوها بماء التوبة فأثمرت ندماً وحزناً، فجنوا من غير جنون، وتبلدوا من
غير عي ولا بكم، وإنهم هم البلغاء الفصحاء العارفون بالله ورسوله، ثم شربوا بكأس
الصفاء فورثوا الصبر على طول البلاء، ثم تولهت قلوبهم في الملكوت وجالت أفكارهم
بين سرايا حجب الجبروت، واستظلوا تحت رواق الندم وقرؤوا صحيفة الخطايا فأورثوا
أنفسهم الجزع حتى وصلوا إلى علو الزهد بسلم الورع، فاستعذبوا مرارة الترك للدنيا،
واستلانوا خشونة المضجع حتى ظفروا بحبل النجاة وعروة السلامة، وسرحت أرواحهم في
العلا حتى أناخوا في رياض النعيم وخاضوا في بحر الحياة وردموا خنادق الجزع وعبروا
جسور الهوى حتى نزلوا بفناء العلم واستقوا من غدير الحكمة وركبوا سفينة الفطنة
وأقلعوا بريح النجاة في بحر السلامة حتى وصلوا إلى رياض الراحة ومعدن العز
والكرامة، فهذا القدر كاف في بيان أن كل توبة صحيحة مقبولة لا محالة.
قلت: أفلا تحدثني بالذي حركك إلى هذه الحال.. فإني
أجد قلبي قاسيا دونها.
قال: لقد حدثني شيخي (أبا عامر البناني) الذي فتح
الله قلبي على يديه أن الناس في الآخرة ينقسمون إلى أربعة أصناف([433]): هالكين، ومعذبين، وناجين، وفائزين.
وضرب لي مثلا على ذلك من الدنيا بأن أي حاكم إذا
استولى على إقليم من الأقاليم، فإنه يقتل بعضهم، وهم الهالكون، ويعذب بعضهم مدة
ولا يقتلهم فهم المعذبون، ويخلى بعضهم فهم الناجون، ويخلع على بعضهم فهم الفائزون.