الحجاز، ووافق قدومه رمضان، فسأله إخوانه أن يجلس لهم في مسجد رسول الله (ص) فأجابهم، وجلس ليلة الجمعة بعد انقضاء
التراويح، واجتمع الناس، وجاء الفتى فجلس مع القوم، فلم يزل أبو عامر يعظ وينذر
ويبشر إلى أن ماتت القلوب فرقا واشتاقت النفوس إلى ربها وإلى فضل ربها.. فوقعت
الموعظة في قلبه.. فتغير لونه، ثم نهض إلى أمه فبكى عندها طويلا، ثم قال:
زممت للتوبة أجمالي = ورحت قد
طاوعت عذالي
وأبت والتوبة قد فتحت = من كل عضو
لي أقفالي
لما حدا الحادي بقلبي إلى = طاعة
ربي فك أغلالي
أجبته لبيك من موقظ = نبه
بالتذكار سعيد أغفالي
كر يا أم هل يقبلني سيدي = على
الذي قد كان من حالي
واسوءتا قد إن ردني خائبا = ربي
ولم يرض بإقبالي
ثم قال: (إلهي عصيتك قويا، وأسخطتك جلدا.. وها أنا
أريد التوجه إليك، وأنا ضعيف..وأريد خدمتك وأنا نحيف.. فليت شعري هل تقبلني؟)
قال ذلك.. ثم جد في العبادة واجتهد.. إلى أن لاحت
عليه أنوارها.. وامتلأ قلبه بأسراها.
بعد أن انتهى الرجل من حسابه لنفسه، اقتربنا منه،
وقلت له: كأني بك لم تسمع ما ورد في سعة فضل الله.. فلذلك أراك تحاسب نفسك محاسبة
الغريم.. بل تحاسبها محاسبة العدو لعدوه.
قال: وما لي لا أحاسبها.. وقد جربتها عندما أرخيت لها
العنان، فأسقطتني في المهالك التي لولا أن الله أنقذني منها لكنت من الهالكين..