فما
أمرك بمهم لغيرك، ولا تضيعى أوقاتك.. فالأنفاس معدودة، فإذا مضى منك نفس فقد ذهب
بعضك، فاغتنمى الصحة قبل السقم، والفراغ قبل الشغل، والغنى قبل الفقر، والشباب قبل
الهرم، والحياة قبل الموت، واستعدي للآخرة على قدر بقائك فيها.
ويحك يا نفس.. انزعى عن جهلك، وقيسى آخرتك بدنياك،
فما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة، وكما بدأنا أول خلق نعيده، وكما بدأكم
تعودون، وسنة الله تعالى لا تجدين لها تبديلا ولا تحويلا.
ويحك يا نفس.. ما أراك إلا ألفت الدنيا، وأنست بها،
فعسر عليك مفارقتها، وأنت مقبلة على مقاربتها، وتؤكدين في نفسك مودتها، فاحسن أنك
غافلة عن عقاب الله وثوابه وعن أهوال القيامة وأحوالها فما أنت مؤمنة بالموت
المفرق بينك وبين محابك، أفترين أن من يدخل دار ملك ليخرج من الجانب الآخر فمد
بصره إلى وجه مليح يعلم أنه يستغرق ذلك قلبه ثم يضطر لا محالة إلى مفارقته أهو
معدود من العقلاء أم من الحمقى؟
أما تعلمين أن الدنيا دار لملك الملوك ومالك فيها إلا
مجاز وكل ما فيها لا يصحب المجتازين بها بعد الموت.
***
هزني هذا الكلام هزا، فالتفت إلى الفضيل الذي كانت
عيناه تغرورقان بالدموع، وقلت: من هذا؟.. وماذا يفعل؟
قال: هذا رجل من أهل الله.. كان مسرفا على نفسه..
وكانت له أم صالحة.. وكانت لا تكف عن وعظه، تقول له: يا بني اذكر مصارع الغافلين
قبلك، وعواقب البطالين قبلك، اذكر نزول الموت.. فلم يزل كذلك حتى قدم رجل من أهل
الله يقال له (أبو عامر البناني)، وكان واعظ أهل