جهلك.. تدعين الحكمة والذكاء والفطنة، وأنت أشد الناس غباوة وحمقا..
أما تعرفين ما بين يديك من الجنة والنار، وأنك صائرة
إلى إحداهما على القرب.. فما لك تفرحين وتضحكين وتشتغلين باللهو، وأنت مطلوبة لهذا
الخطب الجسيم، وعساك اليوم تختطفين أو غدا، فأراك ترين الموت بعيدا، ويراه الله
قريبا.
أما تعلمين أن كل ما هو آت قريب، وأن البعيد ما ليس
بآت..
أما تعلمين أن الموت يأتى بغتة من غير تقديم رسول،
ومن غير مواعدة ومواطأة، وأنه لا يأتى في شىء دون شىء، ولا في شتاء دون صيف، ولا
في صيف دون شتاء.
ويحك يا نفس.. إن كانت جراءتك على معصية الله
لاعتقادك أن الله لا يراك، فما أعظم كفرك، وإن كان مع علمك باطلاعه عليك فما أشد
وقاحتك وأقل حياءك.
ويحك يا نفس.. لو واجهك أخ من إخوانك بما تكرهينه كيف
كان غضبك عليه ومقتك له، فبأى جسارة تتعرضين لمقت الله وغضبه وشديد عقابه..
أفتظنين أنك تطيقين عذابه.. هيهات هيهات جربى نفسك إن ألهاك البطر عن أليم عذابه فاحتبسى
ساعة في الشمس أو قربى أصبعك من النار ليتبين قدر طاقتك..
أتغترين بكرم الله وفضله واستغنائه عن طاعتك وعبادتك،
فما لك لا تعولين على كرم الله تعالى في مهمات دنياك، فإذا قصدك عدو فلم تستنبطين
الحيل في دفعه ولا تكلينه إلى كرم الله تعالى.
ويحك يا نفس.. ما أعجب نفاقك ودواعيك الباطلة، فإنك
تدعين الإيمان بلسانك، وأثر النفاق ظاهر عليك: ألم يقل لك سيدك ومولاك:﴿ وَمَا
مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ
مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾ (هود:6) بينما قال
في شأن الآخرة:﴿ وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى ﴾ (لنجم:39).. فقد
تكفل لك بأمر الدنيا خاصة وصرفك عن السعى فيها