كان يقرأ الآية من أعماق وجدانه.. وكنت خلال قراءته
لها لا أسمعه هو بل أسمع الله، وهو يخاطبني من خلالها، وكأنه يبشرني بتحقيق مطلوبي
الذي سرت في الأرض من أجله.
أسرعت إلى البيت الذي سمعت فيه القراءة، ورحت أدق
بقوة.. وما هي إلا لحظات حتى فتح لي رجل مملوء بالأنوار الباب.. وهو يقول لي:
أحسنت بدق الباب.. فقد خطوت بذلك أول خطوة في طريق الطهارة.
احترت في قوله هذا، وقلت: من أنت؟.. وكيف عرفت أني
أبحث عن الطهارة؟
ابتسم، وقال: أما اسمي، فهو (الفضيل)([417]).. وأما كيف عرفت.. فذلك لأني كنت في يوم من الأيام
مثلك.. كنت ممتلئا بالدنس إلى أن طهرني الله..
كنت في بداية حياتي أقطع الطريق.. وذات ليلة خرجت
لأقطع الطريق، فإذا أنا بقافلة قد انتهت إلي، وقد سمعت بعضهم يقول لبعض: اعدلوا
بنا إلى هذه القرية، فإن أمامنا رجلا يقطع الطريق يقال له الفضيل.. فلما قالوا ذلك
أصابتني رعدة.. ولم أجد نفسي إلا وأنا أصيح فيهم:(يا قوم.. أنا الفضيل جوزوا..
والله لأجتهدن أن لا أعصي الله أبدا).. ثم إن الله رقق قلبي، فأضفتهم تلك الليلة..
ثم خرجت أرتاد لدوابهم علفا.. وعندما رجعت سمعت قارئا يقرأ قوله تعالى:﴿ أَلَمْ
يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا
نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ
فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ
﴾ (الحديد:16).. فأصابتني أنوار من الإيمان، فصحت وأنا مضمخ بعطرها:(والله لقد آن)
[417] أشير به إلى
الفضيل بن عياض، وقد اخترناه لما روي عنه من التوبة التي سنذكرها كما ذكرها ابن
قدامه في كتاب (التوابين)..