قام رجل
من الحاضرين، وقال: لقد ذكرتني بتأثير هذا الوعي في نفوس المجتمع الذي كان يمتلئ
فخرا وكبرا، فقد قال الشاعر، وكان في أشرف بطن في قيس، يقول:
وإني وإن كنت ابن سيد عامر وفارسها
المشهور في كل موكب
فما سودتني عامر عن وراثة
أبى الله أن أسمو بأم ولا أب
ولكنني أحمي حماها وأتقي أذاها
وأرمي من رماها بمنكب
قال خباب: لقد ذكرتني ببذور التعصب التي نبتت في
الأمة تريد صرفها عن هديها.
قال توم: فمن فعل ذلك؟
قال خباب: المستبدون، ومن شايعهم.. وقد روي أن الحجاج
لما خرج عليه ابن الأشعث وعبد الله بن الجارود، ولقي ما لقي من قرى أهل العراق،
وكان أكثر من قاتله وخلعه وخرج عليه الفقهاء والمقاتلة والموالى من أهل البصرة،
فلما علم أنهم الجمهور الأكبر، والسواد الأعظم، أحب أن يسقط ديوانهم، ويفرق
جماعتهم حتى لا يتألفوا، ولا يتعاقدوا، فأقبل على الموالي، وقال:(أنتم علوج وعجم،
وقراكم أولى بكم)، ففرقهم وفض جمعهم كيف أحب، وسيرهم كيف شاء.
ولم يكتف بذلك، بل راح ينقش على يد كل رجل منهم اسم
البلدة التي وجهه إليها، وقد انتشر شؤم هذا التصرف في الأمة أجيالا مديدة، وقد قال
الشاعر يهجو أهل الكوفة، وقد كان قاضيهم رجل من الموالي يقال له نوح بن دراج:
إن القيامة فيما أحسب اقتربت.. إذ
كان قاضيكم نوح بن دراج
لو كان حيا له الحجاج مابقيت..
صحيحة كفه من نقش حجاج