ثم إن
الحسين دعا الناس إلى البراز، فلم يزل يقتل كل من برز اليه، حتى قتل مقتلة عظيمة،
وهو في ذلك يقول:
القتل أولى من ركوب العار والعار أولى من دخول
النار
ثم صاح بهم: (ويحكم يا شيعة آل أبي سفيان، إن لم يكن
لكم دين وكنتم لاتخافون المعاد فكونوا أحراراً في دنياكم هذه، وارجعوا إلى أحسابكم
إن كنتم عرباً كما تزعمون)، فناداه شمر: ما تقول يابن فاطمة؟ قال: (أقول: أنا الذي
أقتاتلكم وتقاتلوني والنساء ليس عليهن جناح، فامنعوا أعتاتكم وجهالكم وطغاتكم من
التعرض لحرمي ما دمت حياً)، فقال شمر: لك ذلك يا ابن فاطمة، وقصدوه بالحرب، فجعل
يحمل عليهم ويحملون عليه، وهو مع ذلك يطلب شربة من ماء فلا يجد، حتى أصابه اثنتان
وسبعون جراحة.
فوقف يستريح ساعة وقد ضعف عن القتال، فبينما هو واقف
اذ أتاه حجر، فوقع على جبهته، فأخذ الثوب ليمسح الدم عن جبهته، فأتاه سهم مسموم له
ثلاث شعب، فوقع على قلبه، فقال: (بسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله (ص))، ثم رفع رأسه إلى السماء وقال: (اللهم إنك
تعلم أنهم يقتلون رجلاً ليس على وجه الأرض ابن بنت نبي غيره)
ثم أخذ السهم، فأخرجه من وراء ظهره، فانبعث الدم كأنه
ميزاب، فضعف عن القتال ووقف، فكلما أتاه رجل انصرف عنه، كراهية أن يلقى الله بدمه،
حتى جاءه رجل من كندة يقال له مالك بن النسر، فشتم الحسين وضربه على رأسه الشريف
بالسيف، فقطع البرنس ووصل السيف إلى رأسه وامتلأ البرنس دماً.
فاستدعى الحسين بخرقة، فشد بها رأسه، واستدعى بقلنسوة
فلبسها واعتم عليها، فلبثوا هنيهة، ثم عادوا إليه وأحاطوا به، فخرج عبد الله بن
الحسن بن علي ـ وهوغلام لم يراهق ـ من عند