وانجلت
الغبرة، ورؤي الحسين قائماً على رأس الغلام وهو يفحص برجله، والحسين يقول: (بعداً
لقومٍ قتلوك، ومن خصمهم يوم القيامة فيك جدك)
ثم قال: (عز والله على عمك أن تدعوه فلا يجيبك، أو
يجيبك فلا ينفعك صوته، هذا يوم والله كثر واتره وقل ناصره)، ثم حمل الغلام على
صدره حتى ألقاه بين القتلى من أهل بيته.
ولما رأى الحسين مصارع فتيانه وأحبته، عزم على لقاء
القوم بمهجته، ونادى: (هل من ذاب يذب عن حرم رسول الله؟ هل من موحدٍ يخاف الله
فينا؟ هل من مغيثٍ يرجو الله بإغاثتنا؟ هل من معينٍ يرجو ما عند الله في إعانتنا؟)
فارتفعت أصوات النساء بالعويل، فتقدم إلى باب الخيمة
وقال لزينب: (ناوليني ولدي الصغير([334])حتى أودعه)، فأخذه وأومأ إليه
ليقبله، ثم أخذه على يده، وقال: (يا قوم قد قتلتم شيعتي وأهل بيتي، وقد بقي هذا
الطفل يتلظى عطشاً، فاسقوه شربةً من الماء)، فبينما هو يخاطبهم إذ رماه رجل منهم
بسهم فذبحه، فقال لزينب: (خذيه)، ثم تلقى الدم بكفيه حتى امتلأتا، ورمى بالدم نحو
السماء وقال: (هون علي ما نزل بي أنه بعين الله)
واشتد العطش بالحسين، فركب المسناة يريد الفرات،
والعباس أخوه بين يديه، فاعترضتهما خيل ابن سعد، فرمى رجل من بني دارم الحسين
بسهمٍ فأثبته في حنكه الشريف، فانتزع السهم وبسط يده تحت حنكه حتى امتلأت راحتاه
من الدم، ثم رمى به وقال: (اللهم إني أشكوه إليك ما يفعل بابن بنت نبيك)
ثم اقتطعوا العباس عنه، وأحاطوا به من كل جانب ومكان،
حتى قتلوه، فبكى الحسين بكاءً شديداً.