نهض
بعض الحاضرين، وقال: وعينا هذا.. فهل من علاج غيره؟
قام رجل آخر عرفت بعد ذلك أن اسمه (أبو ذر)([263]).. قام، وقال: أجل.. وهو نابع مما قبله.. لقد سماه القرآن تعففا، وأثنى
على أهله، فقال:﴿ لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا
يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ
التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلونَ النَّاسَ إِلْحَافاً وَمَا
تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾ (البقرة:273)
وقد ربى رسول الله (ص) أمته على هذا الخلق الرفيع.. ففي الحديث أن ناسا من الأنصار سألوا رسولَ
الله (ص) فأَعْطَاهم، ثم سألوه فأَعْطَاهم،
ثم سألوه فأعطاهم، حتى إذا نَفِذَ ما عِنْدَهُ، قال: ما يكون عنْدي من خير فلَنْ
أدَّخِرَهُ عنكم، ومَنْ يَسْتَعِفف يُعِفُّه الله ومَن يستَغْنِ يُغْنهِ الله، ومن
يتصبَّر يُصَبِّره الله، وما أُعْطِي أحد عطاء هو خَير وأوسَع من الصبر)([264])
وروي أنَّه (ص) استعمل رُجلا من بني عبد الأشْهَلِ على الصدقةِ، فلما قَدِمَ سأله
بعِيرا منها، فَغَضِبَ رسولُ الله (ص) حتى احْمَرَّ وَجْهُه، وعُرِفَ الغضب في وجهه - وكان مما يُعْرَفُ به
الغضب في وجهه أن تحمرَّ عيناه - ثم قال: (ما بالُ رجال يسألني أحدهم ما لا
يَصْلحُ لي ولا له فإن منعته
[263] أشير به إلى
الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري جندب بن جنادة.. وكان من السابقين الأوائل للإسلام،
وقد روى عنه أنه قال:(أنا رابع الإسلام)، وقيل خامساً، ثم رجع إلى بلاد قومه بعدما
أسلم، فأقام بها حتى مضت بدر وأحد والخندق، ثم قدم على النبي (ص) المدينة فصحبه
إلى أن مات وخرج بعد وفاة أبي بكر إلى الشام، فلم يزل بها حتى ولي عثمان، ثم
استقدمه عثمان لشكوى معاوية به بسبب ثورته على الترف والمترفين.. وقد نفي إلى
الربذة فمات بها سنة اثنتين وثلاثين، وصلى عليه عبد الله ابن مسعود صادفه وهو مقبل
من الكوفة مع نفر من فضلاء من أصحابه منهم حجر بن الأدبر ومالك بن الحارث الأشتر
وفتى من الأنصار دعتهم امرأته إليه فشهدوا موته وغسلوه وكفنوه في ثياب الأنصار.
وقد قيل إن ابن
مسعود كان يومئذ مقبلاً من المدينة إلى الكوفة فدعى إلى الصلاة عليه، فقال ابن
مسعود: من هذا قيل: أبو ذر، فبكى بكاء طويلاً، وقال:(أخي وخليلي عاش وحده ومات
وحده ويبعث وحده.. طوبى له) (انظر: الاستيعاب وغيره)