لقد فقه هذا المعنى رجلان من الأنصار ـ قبل أن تنزل
الآية الكريمة ـ فهذا أنس بن النضر يصيح بأولئك الذين أحبطوا وقعدوا عن القتال لما
سمعوا بمقتل النبي (ص):(ما تصنعون بالحياة بعده؟! قوموا
فموتوا على ما مات عليه).. ثم استقبل القوم فقاتل حتى قتل..
أما الآخر فكان ثابت بن الدحداح.. فقد كان يصيح
بأصحابه الأنصار يوم أحد بعد الانكسار والهزيمة: (إن كان محمد قد قتل فإن الله حتى
لا يموت، فقاتلوا عن دينكم، فإن الله مظهركم وناصركم).. فربط السعي بالله الباقي..
ومن كانت هذه جهة سعيه فلن ييأس لأنها جهة مفتوحة على الدوام..
بهذا المنهج الإسلامي الفريد قاد النبي (ص) أصحابه إلى الخروج من أزماتهم كلها ومنها
أزمة أحد.. فها هو (ص) بعد أحد بيوم واحد يتخذ القرار
لمطاردة المشركين العائدين إلى مكة بما يشبه الانتصار.. وأصر (ص) ألا يأخذ معه في هذا الخروج إلا من اشترك في
أحد، وقال: (لا يخرج معنا إلا من شهد القتال)، برغم أن أولئك الذين شهدوا القتال
بالأمس سيخرجون اليوم والجراح تملأ أجسادهم ونفوسهم جميعًا.. إلا أن رسول الله (ص) أراد أن يداوي هذه النفوس الكسيرة بعمل من
شأنه أن يرفع معنوياتهم ويرد إليهم هيبتهم ويضعف من حلاوة النصر لدى قريش إذا
اختتم المشهد بمطاردتهم إلى مكة!!
وقد كان هذا القرار النبوي العظيم قرارًا تربويًا من
الدرجة الأولى..
فقد تعمد a أن يأخذ الذين شاركوا في (أحد) مع ما بهم من جراح وآلام ونفسية سيئة
مهزومة، وإنما أراد رسول الله a ذلك
ليقول لهم: إنه يثق بهم تمامًا، وبقدراتهم وكفاءاتهم.. بل وبإيمانهم وعقيدتهم..
وأن ما حدث في (أحد) لم يكن إلى حدثًا عابرًا يندر تكراره، وأن الأمل فيهم