إن الإحساس
بقوة الحجة في نفوس الناس هو الذي حمل فرعون ويحمل كل الذين يخافون على نظمهم في
كل مكان وزمان من قوة الحجة أكثر من خوفهم من قوة السلاح، بل إنهم يتمنون أن
يحاربهم الدعاة ليبطشوا بهم دون تردد.
وإننا نرى أن كل الطواغيت عندما
يريدون أن يحكموا على أي داعية يلجؤون إلى اتهامه بالإرهاب أو الاغتيال، فهم
يفتشون دائماً في سجله التاريخي لعلهم يجدون فيه ما يدنيه.
وفرعون نفسه لم ينسَ أن يرجع
إلى سجل موسى التاريخي علَّه يتمكن من العثور على شيء يدينه به، فلم ينس أن يلوح
أمام الناس بفعلة موسى حيث قال :﴿ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ
فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (18) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ
وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (19) قَالَ
فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (20)﴾ (الشعراء)
يريد بهذا أن القتل حدث من موسى
من الوكز، أي أن القتل حدث خطأ، وأن هذا الأمر ليس له علاقة بالحادث الجديد وهو
الدَّعوة الجديدة التي هي موضع النزاع.
وهذا نفسه ما حصل مع شعيب
.. قال تعالى يحكي قصته مع من أرسل إليهم :﴿ قَالَ
الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ
وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا
قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (88) قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا
إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا
يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ
رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ
بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (89)﴾
(الأعراف)
انظر.. إن هذا التهديد من الملأ
المستكبرين من قوم شعيب لشعيب بالإخراج من قريتهم أو الرجوع إلى ملَّة قومه، لم
يكن إلا بسبب مفارقته لهذه الملة أو إعلانه لهذه المفارقة، ولهذا كان جواب شعيب
حاسماً إذ قال بكلِّ قوة وجرأة :﴿ قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ
كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا