ولو نظرت في قوله تعالى على
لسان فرعون :﴿.. ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ
يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ (26)﴾ (غافر)
لوجدت فيها معانٍ كثيرة ترشدنا إلى أهمية دعوة موسى السِّلميَّة، وترينا تأثيرها
في نفوس الناس عامة، وفي نفس فرعون بصورة خاصة.. فلو أن فرعون استطاع أن يوجه تهمة
القتل لموسى أو أنه استطاع أن يثبت أن لموسى ذنباً يدينه لما احتاج إلى أن يقول:
(ذروني أقتل موسى)، أي أنه لما احتاج أن يلتمس رضا بطانته وموافقتها على تنفيذ حكم
القتل على موسى.
ولكن موقف موسى u
البعيد عن كل التهم، دفع فرعون، مع غطرسته، أن يستشير بطانته في هذا الموضوع الذي
أصبح خطيراً، لأنه واجه الضمير الإنساني ودخل إلى أعماقه على مشهد من فرعون
وبطانته.
ففرعون، هذا الذي جُرِّد من كل
مسوِّغ للقيام ضدِّ موسى لم يجد شيئاً يتَّهمه به، لذلك اضطر أن يواجه الحق
بالباطل صراحة، فقد فُهِمَ من كلام فرعون على موسى أن آراء موسى وأفكاره خطيرة لأن
مثل هذه الآراء قادرة على تغيير نظامه.
ومادام يبغي تغيير الأوضاع، فإن
فرعون لا ينظر إليه بأنه يريد تغيير هذه الأوضاع بالقوة، وإنما ينظر لموسى بأنه
قادر على تغيير هذه الأوضاع لأنه لا يجد في نظامه قوة تستطيع أن تواجه الأفكار
التي يبيِّنها، وكذلك لا تستطيع مواجهة ضمائر الناس وعقولهم، التي كادت أن تقنع
بأفكار موسى الربانية تاركة نظام فرعون الفاسد وراءها ظهرياً. لذا وجد فرعون أن
استمرار هذه الأفكار يعني انهياراً لنظامه ودينه وبالتالي سقوطاً لحكمه، لذا طلب
فرعون قتل موسى قبل أن يبلغ ذروة أهدافه.