جاءني بولس بهيئة لم أره عليها من قبل..
وكأني به تقمص صورة قديس من القرون الغابرة بصليبه وهيئته وسمته.. وفوق ذلك بفقره
وزهده وسمالة ثيابه.
قلت، لما رأيته بتلك الصورة: ما هذا ـ يا
حضرة القس الفاضل ـ أتراك تريد الذهاب إلى دير لتعيش مع الرهبان، أم تراك تريد
الانعزال في جبل من الجبال كما فعل القديسون؟
قال بجد صارم: لا هذا، ولا ذاك..
أنا لا أزال أجتهد في أن أكون رسولا مخلصا للمسيح.. أنا لا أريد أن أكون مسيحيا
وحدي.. أريد لهذه الأرض جميعا، ولهؤلاء البشر جميعا أن يثبتوا في المسيح، وأن
ينموا في المسيح.
قلت: ألم يزعزع همتك هذه ما حصل في
الأيام السابقة؟
قال: بل لم تزدني تلك المواقف التي
وقفناها في الأيام السابقة إلا همة وعزيمة وثباتا.
لقد كان أهم ما تعلمت من المسيح الثبات
في المسيح..
ثم التفت إلي بجد غير معهود، وقال:
إن الثبات فى المسيح هو من الأساسيات التي ركز عليها رب المجد يسوع المسيح فى
علاقته بتلاميذه القديسين.. إلى درجة أنه تكلم إحدى عشر مرة عن الثبات فى ثماني
آيات.
لقد قال في (يوحنا 15: 1 ـ 11): (أنا
الكرمة الحقيقية، وأبي هو الكرام. كل غصن في لا ينتج ثمرا يقطعه؛ وكل غصن ينتج
ثمرا ينقيه لينتج مزيدا من الثمر. أنتم الآن أنقياء بسبب الكلمة التي خاطبتكم بها.
فاثبتوا في وأنا فيكم. كما أن الغصن لا يقدر أن ينتج ثمرا إلا إذا ثبت في الكرمة؛
فكذلك أنتم، إلا إذا ثبتم في. أنا الكرمة وأنتم الأغصان. من يثبت في وأنا فيه،
فذاك ينتج ثمرا كثيرا. فإنكم بمعزل عني لا تقدرون أن تفعلوا شيئا. إن كان أحد لا
يثبت في يطرح خارجا كالغصن فيجف؛ ثم تجمع الأغصان الجافة، وتطرح في النار فتحترق.
ولكن، إن ثبتم في، وثبت كلامي فيكم، فاطلبوا ما تريدون يكن لكم. بهذا يتمجد أبي:
أن تنتجوا ثمرا كثيرا فتكونون حقا تلاميذي. مثلما أحبني الآب، أحببتكم أنا،
فاثبتوا في محبتي. إن عملتم بوصاياي، تثبتون في محبتي، كما عملت أنا بوصايا أبي
وأثبت في محبته! قلت لكم هذا ليكون فيكم فرحي، ويكون فرحكم كاملا)
قرأ ذلك بخشوع عظيم، ثم قال: مثلما
أوصانا رب المجد يسوع المسيح أوصانا معلمنا بولس الرسول قائلا: (إذا يا اخوتي
الأحباء والمشتاق إليهم يا سروري وإكليلي اثبتوا هكذا في الرب أيها الأحباء )(فيليبس:
4: 1)
ثم التفت إلي، وقال: لقد اعتبر المسيح
الثبات علامـة التلمـذة الحقيقية، لقد قال له