عبد القادر: والله رب السماء والأرض، فكما
يقيم الخوارق لأنبيائه في الأرض، يقيمها لمن شاء منهم في السماء.
بولس: فهل تراك تأتينا
بالأسانيد الضعاف لإثباتها؟
عبد القادر: إن هذه المعجزة ثابتة
بأدلة لا تكاد تحصى، فقد تواترت الأخبار بأن كفار مكة سألوا النبي (ص) أن يريهم علامة تدل
على صدق نبوته، فَأَرَاهُمْ الْقَمَرَ شِقَّتَيْنِ، حَتَّى رَأَوْا غار حِرَاء
بَيْنَهُمَا، وكان ذلك قبل الهجرة بخمس سنوات، فلما رأى الكفار ذلك قالوا: سحرنا
محمد، ثم قالوا انظروا ما يأتيكم به السفار، فجاء السفار من كل وجه فأخبروهم
بذلك..
ففي الحديث عن ابن عباس وغيره: اجتمع
المشركون على عهد رسول الله (ص) منهم الوليد بن المغيرة وأبو جهل هشام والعاصي بن وائل والاسود بن
حبر يغوث والاسود بن عبد المطلب والنضر بن الحرث ونظراؤهم فسألوا رسول الله (ص) أن يريهم آية،
وقالوا: إن كنت صادقا فشق لنا القمر فرقتين نصفا على أبي قبيس ونصفا على قعيقعان ـ
وفي لفظ: حتى راوحوا من بينهما قدر ما بين العصر إلى الليل ـ فقال رسول الله (ص): (اشهدوا)، فنظر
الكفار ثم مالوا بأبصارهم فمحوها، ثم أعادوا النظر، فنظروا، ثم مسحوا أعينهم، ثم
نظروا فقالوا: سحر محمد أعيننا، فقال بعضهم لبعض: لئن كان سحرنا، فإنه لا يستطيع
أن يسحر الناس كلهم، فانظروا إلى السفار، فإن أخبروكم أنهم رأوا مثل ما رأيتم، فقد
صدق، فكانوا يلتقون الركب، فيخبرونهم، أنهم رأوا مثل ما رأوا، فيكذبونهم([602]).
بل إن القرآن الكريم ذكر هذه الحادثة
العظيمة، فقال: ﴿ اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ(1)وَإِنْ يَرَوْا
آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ(2)وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا
أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ(3)﴾ (القمر)
قال ابن عبد البر: قد روى هذا الحديث
جماعة كبيرة من الصحابة ([603])، وروى ذلك عنهم
أمثالهم من التابعين، ثم نقله عنهم الجَمُّ الغفير إلى أن انتهى إلينا، ويؤيد ذلك
بالآية
[602] رواه أحمد والشيخان
والبيهقي وأبو نعيم من طرق عن ابن عمر، ورواه الشيخان والبيهقي عن جبير بن مطعم
ورواه أحمد والترمذي وابن جرير والحاكم والبيهقي عن حذيفة بن اليمان ورواه ابن أبي
شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وأبو نعيم ببعض هذه القصة عن ابن عباس ورواه أحمد
والشيخان وابن جرير وأبو نعيم من طرق وأنس بن مالك ورواه أحمد والشيخان وأبو نعيم
من طرق متقاربة المعنى.
[603] راجع هذه
الأحاديث ( فتح الباري 6/631 باب 27 من كتاب المناقب حديث 3636 ، 3637 ، 3638 ، و
7/182 باب 36 من كتاب مناقب الأنصار حديث 3868، 3869 ، 3870 و 3871 و 8/ 617 باب 1
من كتاب التفسير حديث رقم 4864 ، 65، 66 ، 67 ، 68 وصحيح مسلم 17/143-145 في كتاب
صفة القيامة والجنة والنار ، وسنن الترمذي 9/30 في أبواب الفتن ، ودلائل النبوة
للأصبهاني 1/367 حديث 207-212 ، ودلائل النبوة للبيهقي 2/262 و وحدائق الأنوار
للشيباني والسيرة النبوية للذهبي والبداية والنهاية والشفا ، والوفا. وغيره
الكثير.