وحذرهم منه ، فقال: (من سئل عن
علمٍ فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار)([583])
وقد نقلوا ما نقلوه بدقة بالغة وأمانة
عالية، لأنهم يعلمون حرمة الكذب في الإسلام عامة، وحرمته بشكل أشد على الرسول (ص)، وقد رووا عنه قوله (ص): (من كذب عليّ
متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)([584])، حتى كان بعضهم
يتحرج من الرواية عنه (ص) خشية أن يخطئ فينقل ما لم يسمع، مما يدلنا على مدى التوثيق البالغ
لسنة النبي (ص).
قال ذلك، ثم التفت للقس، وقال: إن كتب
الحديث ومخطوطاتها لا تزال موجودة محسوسة، فإن شئت فلنذهب إليها، ولنذهب إلى كتبكم
المقدسة لنرى مدى دقة أسانيدنا، ومدى دقة أسانيدكم.
ثم قال: أنتم أنفسكم
تعترفون بدقة أسانيدنا؟
بولس: كيف ذلك؟
عبد القادر: ألستم ترجعون إلى كتب
الحديث لتتهموا محمدا (ص) بما شاء لكم أن تتهموه، فكيف تقبلونها في التهمة، ثم لا تقبلونها في
البراءة؟
لما سمع الجمع هذا صاحوا في عبد
القادر: لقد اقتنعنا بكل ما ذكرته من مقدمات، فحدثنا الآن عن معجزات محمد.
عبد القادر: إن ذلك يطول.. ولهذا
سأقتصر لكم على بعض الخوارق التي وقعت من باب التحدي، وأولها القرآن الكريم.
هنا انتفض بولس فرحا، وقال: ها.. لقد قلت لكم:
إنهم لا يملكون معجزة غير القرآن.. هذا ما كنت أناضل عنه منذ الصباح.. وهذا ما كان
يرده علي، وهاهو يبدأ به.
ابتسم عبد القادر، وقال: نعم.. القرآن
الكريم هو أول معجزة، وأكبر معجزة، وأخلد معجزة، وهو شاهد محمد (ص) لكل الأجيال.. وهو
أمامكم.. ابحثوا فيه عن أسرار الإعجاز.
ثم نظر إلى بولس، وقال: نحن لدينا معجزة
خالدة، يمكننا إشهارها في كل زمان، فأرني معجزتكم، ولا تذكر لي إحياء الموتى، ولا
إبراء الأكمه والأبرص، ولا إخضاع
[583] رواه أبو داود
والترمذي وحسنه وابن ماجه وابن حبان في صحيحه والبيهقي ورواه الحاكم بنحوه وقال:
صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
[584] رواه البخاري
ومسلم وغيرهما، قال المنذري:- هذا الحديث قد روي عن غير واحد من الصحابة في الصحاح
والسنن والمسانيد وغيرها حتى بلغ مبلغ التواتر..