فالآية الكريمة تنص على أن الكفار ﴿
أَقْسَمُواْ بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءتْهُمْ آيَةٌ ﴾ من مقترحاتهم
أو الآية التي يختارونها ﴿ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا ﴾
وقد أمر الله تعالى نبيه (ص) بأن يرد عليهم بقوله
﴿ إِنَّمَا الآيَاتُ عِندَ اللّهِ ﴾، فهو وحده القادر عليها، والذي يظهر منها ما
يشاء.
ثم خاطبهم بقوله ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ
أَنَّهَا إِذَا جَاءتْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ أي الآية المقترحة إذا جاءت لا يؤمنون
بها.
وهذا لا يعني عدم وجود الآيات، ولكنه
يعني أن هؤلاء اقترحوا معجزات معينة من باب السخرية والاستهزاء لا من باب
الاسترشاد والتحقق، والله تعالى لا يجيب المستهزئين أو المنكرين لما يطلبون، فإن
أجابهم، ثم لم يؤمنوا أنزل بهم العذاب.
وقد روي في سبب نزول هذه الآية أن قريشا
كلموا رسول الله (ص)، فقالوا: يا محمد تخبرنا أن موسى كان معه عصا يضرب بها الحجر،
فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا، وتخبرنا أن عيسى كان يحيي الموتى، وتخبرنا أن ثمود
كان لهم ناقة فآتنا من الايات حتى نصدقك، فقال رسول الله (ص): (أي شيء تحبون أن آتيكم به)،
قالوا: تجعل لنا الصفا ذهبا، فقال لهم: (فإن فعلت تصدقوني؟)، قالوا: نعم والله لئن
فعلت لنتبعنك أجمعون، فقام رسول الله (ص) يدعو، فجاءه جبريل فقال له: (ما شئت إن
شئت أصبح الصفا ذهبا، ولئن أرسل آية فلم يصدقوا عند ذلك ليعذبنهم وإن شئت فاتركهم
حتى يتوب تائبهم)، فقال رسول الله (ص): (بل أتركهم حتى يتوب تائبهم)
فهذا النص يدل على أن رحمة الله ورحمة
رسوله بقومه وبالناس كافة جعلته يمتنع من تلك الآية التي اقترحوها في ذلك المحل،
وهو لا يعني عدم الآيات، وإنما يعني ما اقترحوه، لأنهم لم يقترحوه بدوافع الصدق
والاسترشاد والتحقق.
فلو نزلت تلك الآية ولم يؤمن هؤلاء وجب
هلاكهم لأنها سنته تعالى فيما مضى من القرون والأمم السابقة، فالله تعالى يُنزل
الآية، فإن لم يؤمنوا بها يهلكهم لكفرهم وعنادهم، كما حدث مع قوم ثمود لما جاءتهم
الناقة، كما قال تعالى في الآية التي هي من الأدلة التي استدللت بها:﴿ وَمَا
مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ
وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا وَمَا نُرْسِلُ
بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفا﴾(الإسراء:59)