وفي هذه الساعة
الحرجة تحايل كبير أساقفة الروم باسم الدين والمسيح، ونجح في إقناع (هرقل) بالبقاء
وذهب (هرقل) مع الأسقف إلي قربان (سانت صوفيا) يعاهد الله تعالى علي أنه لن يعيش
أو يموت إلا مع الشعب الذي اختاره الله له.
وبإشارة من الجنرال الإيراني سين أرسل
(هرقل) سفيرا إلي كسري) طالبا منه الصلح ؛ ولكن لم يكد القاصد الرومي يصل إلي
القصر، حني صاح (كسري) في غضب شديد: (لا أريد هذا القاصد.. وإنما أريد (هرقل)
مكبلا بالأغلال تحت عرشي ؛ ولن أصالح (الرومي) حني يهجر إلهه الصليبي ويعبد الشمس
إلهتنا1)
وبعد مضي ستة أعوام علي الحرب، رضي
الإمبراطور الإيراني أن يصالح (هرقل)علي شروط معينة هي أن يدفع ملك الروم ألف
تالنت من الذهب، وألف تالنت من الفضة، وألف ثوب من الحرير، وألف جواد، وألف فتاة
عذراء.
ويصف (جبن) هذه الشروط بأنها (مخزية) دون
شك، وكان من الممكن أن يقبلها (هرقل)، لولا المدة القصيرة التي أتيحت له لدفعها من
المملكة المنهوبة، والمحدودة الأرجاء، ولذلك آثر أن يستعمل هذه الثروة كمحاولة
أخيرة ضد أعدائه.
قاطع عبد القادر المؤرخ قائلا:
اسمح لي بأن أقاطعك بكلمة موجزة، ثم أدعك تواصل حديثك..
في ذلك الوقت الذي سيطرت فيه على
العاصمتين الفارسية والرومية هذه الأحداث سيطرت علي شعب العاصمة المركزية في شبه
الجزيرة العربية، وهي مكة المكرمة مشكلة مماثلة، فقد كان الفرس مجوسا من عباد
الشمس والنار، وكان الروم من المؤمنين بالمسيح، وبالوحي، وبالرسالة، وبالله تعالي.
وكان المسلمون ـ نفسيا ـ مع الروم يرجون
غلبتهم على الكفار والمشركين كما كان كفار مكة مع الفرس، لكونهم من عباد المظاهر
المادية، وأصبح الصراع بين الفرس والروم رمزا خارجيا للصراع الذي كان يدور بين أهل
الإسلام وأهل الشرك في (مكة).
وبطريقة نفسية كانت كل من الجماعتين
تشعر بأن نتيجة هذا الصراع الخارجي هي نفس مآل صراعهما الداخلي، فلما انتصر الفرس
علي الروم عام616م، واستولوا علي جميع المناطق الشرقية من دولة الروم انتهزها
المشركون فرصة للسخرية من المسلمين، قائلين: لقد غلب إخواننا علي إخوانكم، وكذلك
سوف نقضي عليكم، إذا لم تصطلحوا معنا تاركين دينكم الجديد، وكان المسلمون بمكة في
أضعف وأسوأ أحوالهم المادية، وفى تلك الحالة البائسة نزل القرآن الكريم بتلك
النبوءة العجيبة ليقول:﴿ الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ
وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ
الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4)
بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (5)﴾(الروم)