وأرسل بعض أعيان
الروم رسالة سرية إلي الحاكم الرومي في المستعمرات الإفريقية، يناشدونه إنقاذ
الامبراطورية، فأرسل الحاكم جيشا كبيرا بقيادة ابنه الشاب (هرقل)، فسار بجيشه في
الطريق البحرية، بسرية تامة حتي أن (فوكاس) لم يدر بمجيئهم إلا عندما شاهد
الأساطيل، وهي تقترب من السواحل الرومانية، واستطاع هرقل ـ دون مقاومة تذكر ـ أن
يستولي علي الامبراطورية، وقتل (فوكاس) الخائن.
بيد أن هرقل لم يتمكن ـ برغم استيلائه
علي الامبراطورية وقتله (فوكاس) ـ من إيقاف طوفان الفرس، فضاع من الروم كل ما
ملكوا من البلاد في شرقي العاصمة وجنوبيها، ولم يعد العلم الصليبي يرفرف علي
العراق والشام وفلسطين ومصر وآسيا الصغرى، بل علتها راية الفرس.
وتقلصت الامبراطورية الرومانية في
عاصمتها، وسدت جميع الطرق في حصار اقتصادي قاس ؛ وعم القحط ؛ وفشت الأمراض
الوبائية ؛ ولم يبق من الإمبراطورية غير جذور شجرها العملاق.
وكان الشعب في العاصمة خائفا يترقب ضرب
الفرس للعاصمة، ودخولهم فيها؛ وترتب علي ذلك أن أغلقت جميع الأسواق، وكسدت
التجارة، وتحولت معاهد العلم والثقافة إلي مقابر موحشة مهجورة.
وبدأ الفرس يستبدون بالرعايا الروم
للقضاء علي المسيحية، بل بدأوا يسخرون علانية من الشعائر الدينية المقدسة، ودمروا
الكنائس، وأراقوا دماء ما يقرب من100،000من المسبحين، وأقاموا بيوت عبادة النار في
كل مكان، وأرغموا الناس علي عبادة الشمس والنار واغتصبوا الصليب، وأرسلوه إلى
(المدائن)
يتحدث المؤرخ (جبن) عن كل هذا، ثم يقول:
(ولو كانت نوايا (كسرى) طيبة في حقيقة الأمر لكان اصطلح مع الروم بعد قتلهم
(فوكاس) ولاستقبل (هرقل) كخير صديق أخذ بثأر حليفه وصاحب نعمته (موريس)، بأحسن
طريقة ؛ ولكنه أبان عن نواياه الحقيقية عندما قرر مواصلة الحرب)
ويمكن قياس الهوة الكبرى التي حدثت بين
الروم والفرس من خطاب وجهه (كسرى) إلي (هرقل) من بيت المقدس قائلا: (من لدن الإله
كسري الذي هو أكبر الآلهة وملك الأرض كلها، إلي عبده اللئيم الغافل: هرقل: إنك
تقول: إنك تثق في إلهك! فلماذا لا ينقذ إلهك القدس من يدي!؟)
واستبد اليأس والقنوط بهرقل من هذه
الأحوال السيئة وقرر العودة إلي قصره الواقع في (قرطاجنة) علي الساحل الإفريقي،
فلم يعد يهمه أن يدافع عن الامبراطورية، بل كان شغله الشاغل إنقاذ نفسه، وأرسلت
السفن الملكية إلي البحر، وخرج (هرقل) في طريقه ليستقل إحدي هذه السفن إلي منفاه
الاختياري.