قال: السلام في عرفنا ليس
كالسلام المتعارف عليه.. إنه سلام قد يستخدم الحرب، وقد يتسلح بالعداوة.. حتى لو
كانت العداوة بين الولد ووالده، والأخ وأخيه.. لاشك أنك تحفظ ما قال المسيح في
هذا.. لقد قال: (: (لا تظنوا أني جئت لأرسي سلاما على الأرض. ما جئت لأرسي سلاما،
بل سيفا فإني جئت لأجعل الإنسان على خلاف مع أبيه، والبنت مع أمها، والكنة مع
حماتها، وهكذا يصير أعداء الإنسان أهل بيته)(إنجيل متى:10)
قال ذلك، ثم أخذ بيدي، وقال: هيا
بنا.. فالحضور ينتظرون قدومنا على أحر من الجمر.
امتطينا سيارتنا الفخمة، وسرنا نحو ذلك
الحي الراقي..
كان الجمع جالسا ينتظر القس بلهفة وشوق..
فما إن دخل، ودخلت معه حتى امتلأت القاعة بالتصفيق الحار.
جلسنا على المنصة، وراح صاحبي بولس يلقي
قنبلته الموعودة، والتي بدأها بقوله: أنا لا أحب المحاضرة الجافة التي تلقن العقول
دون أن تدع لها فرصة للحوار.. كما يفعله الأئمة في المساجد حين يستأثرون بالمنابر
ليلقوا ما شاءت لهم عقولهم أو أهواؤهم أن يلقوه.
لذلك سيكون حديثي مفتوحا.. وإن شئتم
فاعتبروا جلستنا هذه جلسة مذاكرة لا جلسة محاضرة..
سر الحضور لقوله هذا.. وسر أكثر لما رآه
من سرورهم.
بدأ حديثه بقوله: لا شك أنكم تعلمون بأن
الغيب لا يعلمه إلا الله.. القرآن يقول هذا.. فهو يصرح كل مرة بقوله:﴿ وَعِنْدَهُ
مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ﴾ (الأنعام: 59)، وبقوله:﴿ قُلْ
لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا
يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ (النمل:65)، وبقوله:﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا
يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدا﴾ (الجـن:26)
حتى محمد.. القرآن يأمره بأن يقول:﴿ قُلْ
لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا
أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ
يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ﴾ (الأنعام:50)
بل إنه يأمره بأن يردد بكل تواضع قوله:﴿
قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ
كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ
إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ