هناك برهان آخر يستدل به
القرآن الكريم يمكن تسميته بـ (برهان الحكمة)، فالله تعالى حكيم في
أفعاله.. وكل الكون يدل على ذلك.. فالمنظومة الكونية في نظامها العجيب تسير بكل
جزئياتها وفق حركة هادفة، وتتّجه صوب نهاية مرسومة بدقة وإحكام، يقول الله تعالى
في تقرير هذا الدليل:﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ
إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ} (المؤمنون:115)، وقال تعالى:﴿ أَيَحْسَبُ الْأِنْسَانُ
أَنْ يُتْرَكَ سُدىً} (القيامة:36)
فلو كان الإنسان ينعدم
بالموت، دون أن تكون هناك نشأة اُخرى يعيش فيها بما له من سعادة أو شقاء، لكان
خلقه في هذا العالم عبثاً وباطلاً.
هذا برهان الحكمة..
هناك برهان آخر يستدل به
القرآن الكريم يمكن تسميته بـ (برهان العدالة)، فالله تعالى ـ على حسب ما
تدل نصوصنا المقدسة ـ جعل الحياة الدنيا دار امتحان وابتلاء للإنسان، ووهبه
النوازع الخيّرة إلى جنب النوازع الشريرة، لتتمّ بذلك حقيقة الابتلاء، وأعطاه
العقل الذي يميّز بين الخير والشر، وبعث له الأنبياء والرسل ليحدّدوا له طريق
الخير وطريق الشرّ، ثم كلّفه باتباع سبيل الخير والحق، وتجنّب سبيل الشرّ والباطل،
وأعطاه الإرادة والاختيار ليستحقّ الثواب أو العقاب، قال تعالى:﴿ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ
لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ
مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا
إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ} (هود:7)، وقال تعالى:﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ
وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ
الْغَفُورُ} (الملك:2)، وقال تعالى:﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ
وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ}
(الانبياء:35)