وعلى هذا فإن واقع
الحياة الدنيا بما يحمل من متناقضات هو امتحان وابتلاء، وليس فيه ما يصلح للمكافأة
والجزاء، وبما أن ضرورة التكليف تقتضي ضرورة المكافأة، لذا يجب المعاد ليجازى
المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، وإلاّ لبطلت فائدة التكليف، ولكان عبثاً ولغواً.
والله على حسب ما تدل
عليه صنعته هو العدل الذي لا حدود لعدله.. ولذلك فإن الله يستدل بعدله على امتداد
الحياة ليجازى المحسن بإحسان، ويجازى المسيء بإساءته، قال تعالى:﴿ أَمْ حَسِبَ
الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا
وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا
يَحْكُمُونَ ﴾(الجاثية:21)، وقال تعالى:﴿ وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ
مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا
فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى(134)قُلْ كُلٌّ
مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ
وَمَنْ اهْتَدَى﴾(طه: 134-135)
هذا برهان العدالة..
هناك برهان آخر يستدل به
القرآن الكريم يمكن تسميته بـ (برهان الرحمة)
إن الرحمة تقتضي أن يكرم
الله خلقه بما تتطلبه حاجاتهم.. وأنت ترى هذا في الحياة، فالله أعطى لكل شيء خلقه
الكامل، ووفر له حاجاته بكرم عظيم.. لقد خلق الله كل جزء من أجزاء الإنسان، وخلق
له ما يكفيه: خلق القلب وخلق له من الدماء ما تكفيه، وخلق المعدة وخلق لها من
الطعام ما يكفيها، وخلق العين، وخلق لها من الضوء ما يكفيها وهكذا.
ولا نجد شيئاً في
الإنسان ليس له ما يكفيه إلا تلك الآمال الواسعة، فإنه لا يكفيها من العمر إلا
الخلود، ولا يكفيها من الحاجات إلا أن تحصل على كل ما تشتهي.
وإذا رأينا الحياة
الدنيا لم نجد فيها الكفاية لهذا الجانب الهام من كيان الإنسان، فلماذا خلقت