قال: تريد أن نبحث إذن عن علاقة التكرار ببلاغة القرآن([107]).
قلت: يمكنك أن تعبر
بذلك.
قال: سأضرب لك مجامع
أمثلة ترشد إلى غيرها.. ولنبدأ بما يسمى بتكرار الأداة، وهي أن تكرر أدوات معانية
لها معان بلاغية خاصة.
من ذلك مثلا هذه الآية:{ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ
لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ
رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) (النحل:110)، ومثلها ما ورد في نفس
السورة:{ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ
تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ
رَحِيمٌ) (النحل:119)
فالظاهر من الآيتين
تكرار (إنَّ) فيهما، وهذا يقتضى ـ حسب تصورك ـ الاكتفاء بـ (إنَّ) الأولى، ثم
إيراد خبرها، وهو فى الموضعين { لَغَفُورٌ رَحِيمٌ } لكن هذا الظاهر خولف وأعيدت
(إنَّ) مرة أخرى.
قلت: أجل.. وهو تكرار.
قال: لا.. لهذه المخالفة
سبب معقول.. وهو طول الفصل بين (إنَّ) الأولى وخبرها، وهذا أمر يُشعِر بتنافيه مع
الغرض المسوقة من أجله (إنَّ) وهو التوكيد. لهذا اقتضت البلاغة إعادتها لتلحظ
النسبة بين الركنين على ما حقها أن تكون عليه من التوكيد.
زيادة على ذلك، فإنه لو
أن قارئاً تلا هاتين الآيتين دون أن يكرر فيهما (إنَّ)، ثم تلاهما بتكرارها
[107]
انظر (شبهات المشككين) لوزارة الأوقاف
المصرية.