الكلمتان قد أتتا على جميع معايب الخمر، ولما كان منها ذهاب
العقل، وحدوث الصداع، برأ القرآن خمر الجنة منها، وأثبت طيب النفوس، وقوة الطبع،
وحصول الفرح.
واسمع:{ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ
وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ}(المائدة: 66).. فهو كلام يجمع جميع ما يأكله الناس
مما تنبته الأرض.
واسمع:{ وَلَهُنَّ مِثْلُ
الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ }(البقرة: 228)، فهو كلام يتضمن جميع ما يجب
على الرجال من حسن معاشرة النساء وصيانتهن وإزاحة عللهن وبلوغ كل مبلغ فيما يؤدي
إلى مصالحهن، وجميع ما يجب على النساء من طاعة الأزواج وحسن مشاركتهم وطلب مرضاتهم
وحفظ غيبتهم وصيانتهم عن خيانتهم.
واسمع:{ وَلَكُمْ فِي
الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}
(البقرة:179)ففي اعتبار القصاص حياة حكم بليغة غاية في الإتقان، منها إبانة العدل
بذكر القصاص، والإفصاح عن الغرض المطلوب فيه من الحياة، والحث بالرغبة والرهبة على
تنفيذ حكم الله تعالى به، والجمع بين ذكر القصاص والحياة.
واسمع ما ورد في قصة إخوة يوسف:{ فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا
مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيّاً }(يوسف: 80)، وهذه صفة اعتزالهم لجميع الناس، وتقليبهم
الآراء ظهراً لبطن، وأخذهم في تزوير ما يلقون به أباهم عند عودهم إليه، وما يوردون
عليه من ذكر الحادث، فتضمنت تلك الكلمات القصيرة معاني القصة الطويلة.
واسمع:{ وَإِمَّا تَخَافَنَّ
مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لا
يُحِبُّ الْخَائِنِينَ}(لأنفال:58)، فلو أراد أحد الأعيان الأعلام في البلاغة أن
يعبر عنه لم يستطع أن يأتي بهذه