قال: حاول أن تخطئ أي عامي يحفظ القرآن في حرف واحد منه.. لقد
رأيت عالما يحاول مثل هذا مع صبي صغير، فلم يفلح.. حرف واحد لم يستطع أن يضيفه.
لقد ذكرني ذلك بحديث
قاله محمد يَحكيه عن ربه:( إنما بعثتك لأبتليك، وأبتلي بك، وأنزلت عليك كتابا لا
يغسله الماء، تقرؤه نائما ويقظان )([34])، فأخبر أن القرآن لا يحتاج في حفظه إلى صحيفة قد
يصيبها الماء، فيذهب ما فيها من العلم.
وعامل آخر جعل من هذا
النوع من الحفظ أهم من حفظ السطور هو الحفاظ على القرآن غضا طريا باللغة التي كان
ينطق بها محمد.. وهو ما لم يتحقق في أي كتاب مقدس.. أليس كذلك؟
صمت، فقال: بلى.. فأكثر
كتبنا منقولة عن العبرية إلى اليونانية، ثم نحن لا نقرؤها باليونانية، بل نقرؤها
بلغاتنا المحلية.
قلت: ولكن ـ مع ذلك ـ
فإن لحفظ السطور أهميته، فكيف تسنى لمحمد أن يحفظ كتابه بهذا الأسلوب في تلك
البيئة البدوية الأمية؟
قال: نعم هي بيئة بدوية
أمية.. ولكن مع ذلك كان فيها كتبة يكتبون، وكان للعربية حروف جميلة تكتب بها..
وكان لهم مقاييس في الكتابة يخضعون لها.
لقد ذكر القرآن الكتابة،
ونوه بها، ودعا لاستعمالها في التوثيق، فهو يقول:{ نْ وَالْقَلَمِ وَمَا
يَسْطُرُونَ}(القلم:1) ففي هذه الآية قسم بالقلم الذي يكتب به، وبالسطور التي
تكتب، والقسم لا يكون إلا بمحترم.