وهو يدعو إلى التوثيق بالكتابة في أطول آية قرآنية جاء فيها:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ
وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ
كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ
وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإِنْ كَانَ الَّذِي
عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ
فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ }(البقرة: 282) إني أقرأ هذه الآية، فأجد فيها
من الأعماق ما لا أستطيع التعبير عنه.. إنها لا تتحدث عن الدين فقط.. بل هي قانون
حضاري رفيع.. انظر جيدا كم فيها من تنويه بالكتابة وبالكتبة.
قلت: حدثني عن كتابة
القرآن لا عن كتابة الدين.
قال: أترى الذي أمر
بكتابة ديون قد لا تضر ولا تنفع يغفل عن الأمر بكتابة القرآن.. لقد كان القرآن أهم
عندهم من أنفسهم وأموالهم، فكيف تتصور غفلتهم عن كتابته؟
قلت: عرفت حرص أصحاب
محمد على حفظ كتابهم.. ولا يستغرب منهم ذلك، فقد عاشوا مع محمد، وسمعوا منه، بل
حفظوا القرآن على يديه.. ولكن الشك يعتري سائر الأجيال التي لم تسمع، ولم تحفظ،
ولم يكن لها من الهمم ما كان لأصحابه؟
قال: لا.. بل سمعت،
وحفظت، وكان لها من الهمم ما لا يقل عن همم أصحابه.. فلذلك لم تزد الأيام القرآن
إلا رسوخا.. لقد انبرى كل صحابي حافظ يعلم أهله وجيرانه وأهل محلته، فصار الحفاظ
بالآلاف.. بل صاروا على مدى العصور لا يعدون ولا يحصون..
قلت: أعلم ذلك.. ولكني
سأورد عليك شبهة خطيرة لم يقلها المبشرون، ولا المستشرقون.. بل ولا المستغربون.