تجذبهم.. ثم يتفقون بعد ذلك على رواية قصيدة ألقاها شاعر في
حفلة من الحفلات.. فيأتون بها بحروفها وكلماتها.. أيظل عندك بعد ذلك شك في
القصيدة، وفي الشاعر الذي قالها؟
قلت: لا..
قال: فقد نقل القرآن
جيوش من الناس عن جيوش من الناس.. كلهم يحفظه حرفا حرفا، وكلمة كلمة.. فكيف نتهمهم
بالتضييع، مع أنه الكتاب الذي أخرجهم من البداوة إلى الحضارة، ومن الخمول إلى
الشهرة، ومن الذل إلى العزة، ومن الظلمات إلى النور.
لقد كان القرآن هو الدرة
اليتيمة التي أخرجتهم من الهاوية التي كانوا يحبسون فيها.. أفترى من تكون له مثل
هذه الدرة يفرط في حفظها، أو يتهاون في نقلها؟
قلت: عرفت كيف حفظ
القرآن في الصدور.. وأنا أعلم الذاكرة القوية التي يتمتع بها البدو.. لكأن ذاكرتهم
مسجلة تسجل كل شيء، ولا يغيب عنها أي شيء.. فحدثني كيف حفظ القرآن في السطور مع
كونه كان في هذه البيئة التي تعتمد على الذاكرة أكثر من اعتمادها على التوثيق؟
قال: صدقت في هذا.. فقد
كانت بيئة محمد تعتمد على توثيق الصدور أكثر من اعتمادها على توثيق السطور.. وهي
ناحية مهمة ساهمت في حفظ القرآن.
قلت: كيف ذلك؟
قال: توثيق السطور قد
يصبح هدفا للكتبة الكذبة.. فقد تتاح لهم من الفرص ما يملأون كتبهم بالكذب.