فهاتان الآيتان
الكريمتان تدلاَّن على أن كل الأمم السابقة أرسل الله لها من ينذرها، ويعرفها
بوظيفتها، وبمقتضيات هذه الوظيفة، ولذلك نبه من قد يتصور أن الأنبياء مقصورون على
ما ورد ذكرهم في القرآن الكريم إلى وجود غيرهم، فقال تعالى:وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا
رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ
نَقْصُصْ عَلَيْكَ (غافر: من
الآية78)
ولذلك من الأخطاء
الشائعة اعتقاد النبوة خاصة بمناطق معينة كالشام والحجاز ونحوها، بل على سلالات
معينة كسلالة إبراهيم ، بل إن النبوة تشمل الأرض جميعا، ولكن القرى لم تلق بالا لهؤلاء
الأنبياء، فلذلك نسوا، وأهمل ذكرهم،أو حرفت تعاليمهم ([256]).
ولذلك كان من عدل الله
ورحمته بخلقه أن لا يحاسبهم إلا بعد إرسال الرسل إليهم، كما قال تعالى: ذَلِكَ أَنْ لَمْ
يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ (الأنعام:131) أي إنما
[256] للأسف، فإن المؤرخين المسلمين ـ ابتداء من الطبري وغيره ـ تأثروا
بالتاريخ الإسرائيلي، فراحوا ينقلونه حرفيا معتبرين أنه حقائق ثابتة، وقد نقله
عنهم كثير من كتاب قصص الأنبياء.
والناظر
في هذا التاريخ يكاد يحصر الخير والنبوة في محل معين من العالم.. وأن ما عداه كأنه
لا علاقة له بالله، ولا بالتكاليف.. وقد ورد في الحديث عن أبي ذر قال: قلت: يا
رسول الله، كم الأنبياء؟ قال: (مائة ألف وأربعة وعشرون ألفًا). قلت: يا رسول الله،
كم الرسل منهم؟ قال: (ثلاثمائة وثلاثة عشر جَمّ غَفِير) قلت: يا رسول الله، من كان
أولهم؟ قال: (آدم) قلت: يا رسول الله، نبي مرسل؟ قال: (نعم، خلقه الله بيده، ونفخ
فيه من روحه، ثم سَوَّاه قِبَلا) رواه ابن مردويه وغيره.