حظ ذاتي من الجمال، فليس للمادة إلا خواص كمية كالوزن والحجم والشكل
والعدد.. وحيث إن الجمال ليس من جملة هذه الخواص، فقد كنا جميعا أنا وأساتذتي نميل
إلى اعتباره خاصة من خواص المراقب، لا صفة من صفات الأشياء الطبيعية.
أذكر أنه في
عام 1630 كتب ديكارت يقول: (لا يدل الجميل ولا البهيج على أكثر من موقفنا في الحكم
على الشيء المتكلم عنه)
وقد وافقه
سبينوزا على ذلك، فقال: (الجمال ليس صفة في الشيء المدروس بقدر ما هو الأثر الذي
ينشأ في الإنسان نفسه الذي يدرس ذاك الشيء)
وقد أحدث هذان
المفكران وآخرون غيرهما تيارا قوياً دام زماناً طويلاً.. فبعد ذلك بقرنين من
الزمان أبان تشارلز داروين عن موقفه من الجمال، فكتب يقول: (من الجلي أن الإحساس
بالجمال يتوقف على طبيعة العقل بصرف النظر عن أي صفة حقيقية في الشيء محل الإعجاب)
وهكذا فرويد..
فقد كان يشعر أنه مضطر إلى حصر الجمال في دائرة الغريزة.. ولهذا قال: (من دواعي
الأسف أن التحليل النفسي ليس عنده ما يقوله عن الجمال، وكل ما يبدو مؤكداً أنه
مستمد من مجال الشعور الجنسي)
لقد جعلتنا
هذه النظرة نخرج الجمال عن العلم.. فالجمال، رغم احتمال كونه متعة شخصية، لا يمكن
أن يكون موضع جدل علمي إذ أنه لا يعيننا بتاتا في اكتشاف حقائق الطبيعة.
ولذلك كنا
نعتقد أن الفنون الجميلة، بقدر ما تنشد الجمال، لا يمكن أن يكون بينها وبين العلوم
أي شيء مشترك.. بل إنا كنا نصور العلوم على أنها باردة المشاعر، ولكنها واقعية، ونصور
الفنون على أنها دافئة المشاعر، ولكنها هوائية المضمون، بحيث يتوقع من علم الحشرات
أن يسكت عن جمال الفراشة سكوت الشعر عن خمائرها الهضمية.