قال الباقر:
ليس منشأ التعدد إلا تعدد الإرادة المتعلقة بها.. ومنشأ تعدد الإرادات تعدد
الدواعي والفوائد الملحوظة لكل واحد من الأفعال.. فالإنسان الواحد بوحدته عالم
بجميع الفوائد الملحوظة فيها، وعلمه بكل واحد من فوائد تلك الأفعال هو الجهة
الفارقة له في كونه فاعلا له، ولكن الموجد لجميع تلك الأفعال هو هذا الفرد من
الإنسان لا تلك الفوائد الملحوظة.
قام ثامننا، وكان اسمه (أنكسيمانس)،
وكان كسميه (أنكسيمانس)([165])
من الموحدين([166])،
وكان شديد التعظيم للهواء، وكان يرى أنه أصل الكون، وأنه المبدأ الأول للوجود،
ومنه تكون جميع ما تكون في العالم من الأجرام العلوية والسفلية.
وكان يرى أن
جميع الأشياء تتولد عن طريق التخلل والتكاثف، فإذا تخلخل الهواء صار ناراً، ومن
النّار تولدت كل الأشياء النّارية كالكواكب والنجوم مثلاً، وإذا تكاثف الهواء نشأت
عنه الرياح والعواصف والسحب ثم الأمطار، ثم تتكاثف الأمطار فينتج عنها الأتربة
والرمال والصخور.
وكان يقول:
ما كوّن من صفو الهواء المحض لطيف روحاني، لا يدثر ولا يدخل عليه الفساد، ولا يقبل
الدنس والخبث، وما كوّن من كدر الهواء كثيف جسماني يدثر، ويدخله الفساد، ويقبل
الدنس والخبث، فما فوق الهواء من العوالم فهو من صفوه، وما دون الهواء من العوالم
فهو
[166]حيث أنه كان يقول
بأن الباري تعالى أزلي لا أول له ولا آخر، هو مبدأ الأشياء، ولا بدء له، هو المدرك
من خلقه، أ نّه هو فقط، وأنه لا هوية تشبهه، وكل هوية فمبدعة منه، هو الواحد ليس
كواحد الأعداد، لأنّ واحد الأعداد يتكثر وهو لا يتكثر، وكل مبدع ظهرت صورته في حد
الإبداع، فقد كانت صورته في علمه الأول.