فأنت أحق الناس بهذا الأمر ، هلمَّ فلنبايعك ثم اخرج معي إلى الشام ، فإن هذا الجند الذين معي هم وجوه أهل الشام وفرسانهم ، فوالله لا يختلف عليك اثنان وتؤمِّن الناس وتهدر هذه الدماء التي كانت بيننا وبينك ، والتي كانت بيننا وبين أهل الحرة . . . وأخذ الحصين يكلمه سراً وهو يجهر جهراً ، وأخذ يقول : لا والله لا أفعل ! فقال له الحصين بن نمير : قبح الله من يَعُدُّك بعد هذه داهياً قطُّ أو أديباً ! قد كنت أظنُّ أن لك رأياً ، ألا أراني أكلمك سراً وتكلمني جهراً ، وأدعوك إلى الخلافة ، وتعدني القتل والهلكة ! ثم قام فخرج وصاح في الناس فأقبل فيهم نحو المدينة ، وندم ابن الزبير على الذي صنع فأرسل إليه : أما أن أسير إلى الشأم فلست فاعلاً ، وأكره الخروج من مكة ، ولكن بايعوا لي هنالك فإني مؤمِّنكم وعادلٌ فيكم ، فقال له الحصين : أرأيت إن لم تقدم بنفسك ووجدتُ هنالك أناساً كثيراً من أهل هذا البيت يطلبونها يجيبهم الناس ، ما أنا صانع ؟ ! فأقبل بأصحابه ومن معه نحو المدينة . . . واجترأ أهل المدينة وأهل الحجاز على أهل الشأم فذلوا حتى كان لا ينفرد منهم رجل إلا أُخذ بلجام دابته ثم نُكِّس عنها ! فكانوا يجتمعون في معسكرهم فلا يفترقون ! وقالت لهم بنو أمية لا تبرحوا حتى تحملونا معكم إلى الشام ففعلوا ) . انتهى . أقول : من لطف الله تعالى بالأمة أن ابن الزبير لم يقبل عرض الحصين بن نمير قائد الجيش الأموي ! وإلا لتَمَّتْ له البيعة في الشام وفلسطين ومصر بسهولة بالغة ، وتبعها العراق وإيران وبقية أجزاء الدولة الإسلامية ! ذلك أن ابن الزبير أكثر قسوة من بني أمية مجتمعين ! وأشد منهم على أهل البيت « عليهم السلام » بألف مرة ! فقد بلغ به الحقد عليهم أنه ترك ذكر جدهم النبي « صلى الله عليه وآله » في خطبه وحتى في تشهد صلاته ، وقال : ( إن له أُهَيْلَ سوء إذا ذكر استطالوا ومدوا