نام کتاب : المحاضرات والمحاورات نویسنده : جلال الدين السيوطي جلد : 1 صفحه : 24
تحصيل ما دثر منها ، سعيا حثيثا ، إلى أن وقفت منها على الجم الغفير ، وأحطت بغالب الموجود مطالعة وتأملا ، بحيث لم يفتني منها سوى النزر اليسير ، وألَّفت فيها الكتب المطولة والمختصرة ، وعلَّقت التعاليق ، ما بين أصول وتذكرة ، واعتنيت بأخبار أهلها وتراجمهم ، وإحياء ما دثر من معالمهم ، وما رووه أو رأوه ، وما تفرد به الواحد منهم من المذاهب والأقوال ، ضعّفه الناس أو قوّوه ، وما وقع لهم مع نظرائهم ، وفي مجالس خلفائهم وأمرائهم ، من مناظرات ومحاورات ، ومجالسات ومذاكرات ، ومدارسات ومسايرات ، وفتاوى ومراسلات ، ومعاياة ومطارحات ، وقواعد ومناظيم ، وضوابط وتقاسيم ، وفوائد وفرائد ، وغرائب وشوارد ، حتى اجتمع عندي من ذلك جمل ، ودونتها رزما ، لا أبالغ وأقول وقر جمل » [1] . وكأن هذا المنهج الذي وصفه السيوطي في التأليف ، قد كتبه لهذا الكتاب ، فهو متحقق فيه ، ولا شك أنه يصف خبرته في التأليف عامة ، بعد ممارسته هذا العمل الشاق الطويل في كتبه الكثيرة . يقدم السيوطي لكتابه هذا بمقدمة موجزة يبين فيه طبيعة الكتاب ومنهجه . فيقول : « هذا مجموع حسن ، انتخبت فيه ما رقّ وراق من ثمرات الأوراق ، والتقطت فيه من درر الكتب الجواهر ، ومن شجرة الحدائق الأزاهر ، مما يصلح لمحاضرة الجليس ، ومسامرة الأنيس » [2] . ويريد السيوطي في هذا الكتاب أن يقدم النافع من ثمار الكتب التي أعجبته ، ومن فنون شتى من المنظوم والمنثور ، وتتضمن منتقيات أدبية وتاريخية ودينية ، فيها طرف وفوائد مقتبسة ، من سير الأنبياء ، والخلفاء ، والصحابة ، والكتاب ، والشعراء ، ومجموعات من الرسائل الأدبية والمقامات ، ومنتقيات من الأشعار ، ونوادر ، وملح أدبية وفوائد ثقافية وعلمية ، وما إلى ذلك من ضروب المعرفة . وقد نقل السيوطي من عشرات الكتب في مختلف الموضوعات والفنون ، ومن هذه الكتب ما هو معروف لدينا ، ومنها ما هو مفقود ، وكذلك حفظ جملة صالحة من الأشعار التي لم تحوها الدواوين ، أو الأخبار التي فاتت الكتب التي بين أيدينا ، وقد نقل من هذه الكتب وفق ذوقه ومذهبه ، وإذا نظرنا في هذه النقول والاختيارات ، نجدها تتفاوت في طولها ، فمنها ما هو قصير شديد القصر ، لا يتجاوز بضعة أسطر ، ومنها ما هو طويل شديد الطول يستغرق صفحات طوال ، من ذلك بعض الرسائل والمقامات الطويلة التي تكاد تكَّون كتبا ، مثال ذلك ( حكاية القاضي واللص ) المنتقاة من الطبقات الكبرى