الإنسان سوى الفكرة التي يحملها..
والمبدأ الذي يعيش من أجله.
قلنا: فحدثنا عن موازين التصورات التي
جاء بها الإسلام([836]).
قال: ليس هناك دين ولا فكره في الدنيا
احترمت موازين التصورات والعقائد كما احترمها الإسلام.. ذلك أنها انطلقت من الفطرة
الإنسانية السليمة.. وما تتطلبه الفطرة:
وبما أن الفطرة تطلب التوازن بين
الجانب الذي تتلقاه لتدركه وتسلم به، وينتهي عملها فيه عند التسليم، والجانب الذي
تتلقاه لتدركه، وتبحث حججه وبراهينه، وتحاول معرفة علله وغاياته وتفكر في مقتضياته
العملية، وتطبقها في حياتها الواقعية.. فإن جميع التصورات الإسلامية راعت
هاتين الناحيتين ووازنت بينهما، لأن كليهما يلبي جانباً أصيلاً، مودعاً في فطرة
الإنسان.
لقد علم الله أن الإدراك البشري لن يتسع
لكل أسرار هذا الوجود، ولن يقوى على إدراكها كلها، فأودع فطرته الارتياح للمجهول،
والارتياح للمعلوم، والتوازن بين هذا وذاك في كيانها، كالتوازن بين هذا وذاك في
صميم الوجود.
إن العقيدة التي لا غيب فيها ولا مجهول،
ولا حقيقة أكبر من الإدراك البشري المحدود، ليست عقيدة، ولا تجد فيها النفس ما
يلبي فطرتها، وأشواقها الخفية إلى المجهول، المستتر وراء الحجب المسدلة.. كما أن
العقيدة التي لا شيء فيها إلا المعمّيات التي لا تدركها العقول ليست عقيدة!
فالكينونة البشرية تحتوي على عنصر الوعي، والفكر الإنساني لا بد أن يتلقى شيئاً
مفهوماً له، له فيه عمل، يملك أن يتدبره ويطبقه.. والعقيدة الشاملة هي التي تلبي
هذا الجانب وذاك، وتتوازن بها الفطرة، وهي تجد في العقيدة كفاء ما هو مودع فيها من
طاقات وأشواق.
[836] استفدنا في
هذا المطلب مما كتبه سيد قطب في كتابه (خصائص التصور الإسلامي) بالتصرف الذي
ألفناه.