وقال له وهو يقرر هذا الأصل: ( وينبغي
للوالي أن يعلم أنه ليس أحدُ أشد غبناً ممن باع دينه وآخرته بدنيا غيره، وأكثر
الناس في خدمة شهواتهم، فإنهم يستنبطون الحيل ليصلوا إلى مرادهم من الشهوات..
وكذلك العمال لأجل نصيبهم من الدنيا يغرون الوالي ويحسنون الظلم عنده، فيلقونه في
النار ليصلوا إلى أعراضهم، وأي عدو أشد عداوة ممن يسعى في هلاكك وهلاك نفسه لأجل
درهم يكتسبه ويحصله. وفي الجملة ينبغي لمن أراد حفظ العدل على الرعية أن يرتّب
غلمانه وعماله للعدل، ويحفظ أحوال العمار، وينظر فيها كما ينظر في أحوال أهله
وأولاده ومنزله، ولا يتم له ذلك إلا بحفظ العدل أولاً من باطنه؛ وذلك أن لا يسلّط
شهوته وغضبه على عقله ودينه، ولا يجعل عقله ودينه أسرى شهوته وغضبه بل يجعل شهوته
وغضبه أسرى عقله ودينه)
وقال له : ( ويجب أن يعلم أن العقل من
جوهر الملائكة ومن جند البارئ، جلّت قدرته، وأن الشهوة والغضب من جند الشيطان..
فمن يجعل جند الله وملائكته أسرى جند الشيطان كيف يعدل في غيرهم؟ وأول ما تظهر شمس
العدل في الصدر ثم ينشر نورها في أهل البيت وخواص الملك فيصل شعاعها إلى الرعية،
ومن طلب الشعاع في غير الشمس فقد طلب المحال، وطمع فيما لا ينال)
قلنا: فما الرابع؟
قال: لقد عبر الغزالي عنه بقوله : ( إن
الوالي في الأغلب يكون متكبراً.. ومن التكبر يحدث عليه السخط الداعية إلى الانتقام،
والغضب غول العقل وعدوه وآفته، وإذا كان الغضب غالباً، فينبغي أن يميل في الأمور
إلى جانب العفو ويتعود الكرم والتجاوز، فإذا صار ذلك عادة لك ماثلت الأنبياء
والأولياء، ومتى جعلت إمضاء الغضب عادة ماثلت السباع والدواب)