قال: لقد دأب الصالحون من العلماء أن
يبينوا سنن العدل التي يتم بها نصح الراعي لرعيته..
ومن ذلك أن عمر بن عبد العزيز سأل محمد
بن كعب القرظي فقال: صف لي العدل. فقال: كل مسلم أكبر منك سناً فكن له ولداً، ومن
كان أصغر منك فكن له أباً، ومن كان مثلك فكن له أخاً، وعاقب كل مجرم على قدر جرمه،
وإياك أن تضرب مسلماً سوطاً واحداً على حقد منك فإن ذلك يصيرك إلى النار.
ومن ذلك أن الإمام أبا حامد الغزالي كتب
رسالة في أصول العدل لبعض الملوك([617]).. ومن وصاياه فيها
قوله : ( اعلم ـ أيها السلطان ـ أنّ ما كان بينك وبين الخالق سبحانه فإن عفوه
قريب، وأما ما يتعلق بمظالم الناس فإنه لا يتجاوز به عنك على كل حال يوم القيامة
وخطره عظيم ولا يسلم من هذا الخطر أحد من الملوك إلا ملك عمل بالعدل والإنصاف
ليعلم كيف يطلب العدل والإنصاف يوم القيامة)
ولم يكتف أبو حامد بالموعظة المجردة.. بل
ذكر له عشرة من أصول العدل والإنصاف كلها مستنبطة من النصوص المقدسة، ومن آثار
الحكام العدول من المسلمين.. وكلها تدل على المنهج الصحيح الذي يتحقق به النصح
الذي أمر الحكام أن يتعاملوا به مع رعاياهم.
قلنا: فما الأصل الأول منها؟
قال: لقد عبر عنه الغزالي بقوله : (الأصل
الأول هو أن يعرف الحاكم قدر الولاية وخطرها.. فإن الولاية نعمة من نعم الله عز
وجل، من قام بحقّها نال من السعادة ما لا نهاية له ولا سعادة