وقد رأيت أن هذا التقسيم لم يجد شيئا..
لسبب بسيط.. وهو أنه يجمع بين ذوي العقوبة الواحدة في محبس واحد، وبعضهم قد يكون
مبتدئاً لا يعلم كثيراً عن الإجرام، والبعض من عتاة المجرمين، واختلاط هؤلاء من
نفس العيب الذي يراد علاجه.. أما جمع الشبان في محبس واحد والكهول في محبس واحد
فلن يكون علاجاً؛ لأن الإحصائيات تدل على أن أكثر المجرمين من الشبان.
ومن جنايات السجون انعدام قوة
الردع.. ذلك أن عقوبة الحبس قد فرضت على أساس أنها عقوبة رادعة، ولكن الواقع قد
أثبت أنها لا فائدة منها ولا أثر لها في نفوس المجرمين، فالذين يعاقبون بالأشغال
الشاقة - وهي أقصى أنواع الحبس - لا يكادون يخرجون من السجن حتى يعودوا لارتكاب
الجرائم، ولو كانت العقوبة رادعة لما عادوا لما عوقبوا عليه بهذه السرعة.
ومن جنايات السجون قتل الشعور
المسئولية.. ذلك أن الكثير من المسجونين يقضون في السجن مدداً طويلة نوعاً ما..
وهم ينعمون خلالها بالتعطل من العمل، ويكفون خلالها مئونة أنفسهم من مطعم وملبس
وعلاج.. والمشاهد أن هؤلاء يكرهون أن يلقى بهم خارج السجن ليواجهوا حياة العمل
والكد من جديد، وأنهم يموت فيهم كل شعور بالمسئولية نحو أسرهم، بل نحو أنفسهم، فلا
يكادون يخرجون من السجن حتى يعملوا للعودة إليه، ولا حباً في الجريمة ولا حرصاً
عليها وإنما حباً في العودة إلى السجن وحرصاً على حياة البطالة.
ومن جنايات السجون ازدياد سلطة
المجرمين.. فمن المجرمين من يستغل ـ بعد مغادرته السجن ـ جريمته السابقة لإخافة
الناس وإرهابهم وابتزاز أموالهم، ويعيش على هذا السلطان الموهوم وهذا المال المحرم
دون أن يفكر في حياة العمل الشريف والكسب الحلال.
لقد أصبح سلطان هؤلاء المجرمين على
السكان الآمنين يزاحم سلطان الحكومات، بل أصبح المجرمون في الواقع أصحاب الكلمة
النافذة والأمر المطاع.. ومن الوقائع التي أعرفها