وتمرس بأساليبه، وبين
المجرم المتخصص في نوع من الإجرام، وبين المجرم العادي.. كما يضم السجن أشخاصاً
ليسوا مجرمين حقيقيين، وإنما جعلهم القانون مجرمين اعتباراً.. وكالمحكوم عليهم في
جرائم الخطأ والإهمال.. واجتماع هؤلاء جميعاً في صعيد واحد يؤدي إلى تفشي عدوى
الإجرام بينهم، فالمجرم الخبير بأساليب الإجرام يلقن ما يعلمه لمن هم أقل منه خبرة،
والمتخصص في نوع من الجرائم لا يبخل بما يعلمه عن زملائه، ويجد المجرمون الحقيقيون
في نفوس زملائهم السذج أرضاً خصبة يحسنون استغلالها دائماً، فلا يخرجون من السجن
إلا وقد تشبعت نفوسهم إجراماً.
لا تحسبوا أن ما أذكره ظنونا أو رجما
بالغيب..
لقد دلت المشاهدات على أن الرجل يدخل السجن
لأمر لا يعتبره العرف جريمة؛ كضبط قطعة سلاح معه، وكان المعروف عنه قبل دخوله
السجن أنه يكره المجرمين، ويأنف أن يكون منهم، فإذا خرج من السجن حبب إليه الإجرام
واحترفه، بل صار يتباهى به..
وقد أدى هذا ببعض من أعرفهم من القضاة أن
يشفقوا من الحكم بالحبس في الجرائم الاعتبارية التي لا يتمثل فيها روح الإجرام
الحقيقي، كما أنهم قد يوقفون تنفيذ العقوبة في الجرائم الحقيقية إذا كان المجرم
مبتدئاً، لأنهم يخشون أن يدخل الجاني السجن بريئاً من الإجرام أو مبتدئاً فيه،
فيخرج من السجن ممتلئاً إجراما، فقيها في أساليبه.
ولهذا، فإن السجن الذي يقال عنه أنه
إصلاح وتهذيب ليس هو في الحقيقة إلا معهد للإفساد وتلقين لأساليب الإجرام.
لقد شعرت بعض الحكومات بهذا.. ولذلك فقد
حاولت أن تصلح من هذا العيب.. وذلك بتقسيم السجون على أساس نوع العقوبة، وأسنان
المحكوم عليهم.