فمحمد بن إسحاق من قدماء المحدثين وحفاظهم وثقاتهم ، واليه كانت تشد الرحال ، سيما في السير والمغازي ، وهو أول من كتب في السيرة كما أعلم ، وربما رمي بالتشيع . وقع بينه وبين جماعة من فقهاء المدينة ومنهم الإمام مالك بعض ما يقع بين أهل العلم ومراجع الدين ، فرفعوا أمره إلى حاكم المدينة فأمر بإخراجه منها ، فسكن بغداد وبها أبو جعفر المنصور ، وكان عارفاً به وبفضله . دخل على المنصور يوماً ( كما في ميزان الذهبي وتاريخ بغداد للخطيب ) وبين يديه ولده المهدي فقال له أتعرف هذا يا بن إسحاق ؟ قال : نعم هذا ابن أمير المؤمنين ، فقال : ألف له كتاباً في السيرة ، فألف له هذه التي هي في أيدي الناس ، وتنسب لعبد الملك بن هشام فإنه الراوي لها ، ومنه تعرف سبب إغفال ابن إسحاق حديث المباهلة وطيه تلك الفضيلة الفاضلة لأهل البيت عليهم السلام ، فإنها التقية ! وكم أغفلت التقية من مناقبهم وسترت من فضلهم ! لكن الحق مهما لجَّ ساتره في إخفائه ، لجَّ هو في المقاومة والظهور ! ومن قرأ حوادث الدولة العباسية وما وقع بين المنصور وبين ولد علي عليه السلام ، يتبين ما قلناه في السيرة من التقية . ولابد من الإشارة إلى شئ من ذلك إتماماً للفائدة : لما استقام سلطان المنصور بقتله أبا مسلم وقبضه على عمه عبد الله بن علي ، انصرف بكله إلى البحث عن محمد وإبراهيم ابنيْ عبد الله بن