تميل إليه قلوب الناس ، ليكون الأمر بيده و إليه ، يعمل فيه برأيه ، ويزعم أنّي طاوعته فيما أشار به عليَّ ، وهذا أنت تشير عليَّ فيما يستقيم عندك في العقل والحيلة بعدك ، لا يستقيم الأمر إلاّ بأحد أمرين : إمّا قبلت الأمر على ما كان يكون عليه ، و إمّا أعطيت القوم ما طلبوا وقطعت عليهم ، و إلاّ فالأمر عندنا معوج ، والناس غير مسلّمين ما في أيديهم من مال وذاهبون به ، فالأمر ليس بعقلك ، ولا بحيلتك يكون ، ولا تفعل الذي تجيله بالرأي والمشورة ، ولكنّ الأمر إلى اللّه عزّ وجلّ وحده لا شريك له ، يفعل في خلقه ما يشاء ، من يهدي اللّه فلا مضلّ له ، ومن يضلله فلا هادي له ، ولن تجد له مرشداً . فقلت : وأعمل في أمرهم ، وأحتلّ فيه ، وكيف لك الحيلة ! واللّه يقول : ( وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا ) ( 1 ) في التوراة والإنجيل إلى قوله عزّ وجلّ : ( وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ ) ( 2 ) ، فلو تجيبهم فيما سألوا عنه استقاموا وسلّموا ، وقد كان منّي ما أنكروا من بعدي ، ومدّ لي لقائي ، وما كان ذلك منّي إلاّ رجاء الإصلاح ، لقول أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه : اقتربوا اقتربوا ، وسلوا وسلوا ، فإنّ العلم ( 3 ) يفيض فيضاً ، وجعل يمسح بطنه ويقول : ما ملئ طعام ، ولكن ملئ علم ، واللّه ! ما آية نزلت في برّ ولا بحر ، ولا سهل ولا جبل ، إلاّ أنا أعلمها ، وأعلم فيمن نزلت . وقول أبي عبد اللّه ( عليه السلام ) : إلى اللّه أشكو أهل المدينة ، إنّما أنا فيهم كالشعر أتنقّل ، يريدونني على أن لا أقول الحقّ ، واللّه ! لا أزال أقول الحقّ ، حتّى أموت ، فلمّا قلت حقّاً أُريد به حقن دمائكم ، وجمع أمركم ، على ما كنتم عليه أن يكون سرّكم مكنوناً عندكم ، غير فاش في غيركم ، وقد قال رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) سرّاً أسرّه اللّه إلى جبريل ، وأسرّه جبريل إلى محمّد ، وأسرّه محمّد إلى عليّ صلوات اللّه عليهم ، وأسرّه عليّ ( عليه السلام ) إلى من شاء .