ولسنا هنا بصدد البحث والتقصي لهذه الآثار العظيمة والمباركة ، غير أننا نقتصر على فقرة أوردناها في كتابنا مأساة الزهراء ، هي التالية : إن التنظير ، وإعطاء الضابطة الفكرية ، أو إصدار الأحكام لا يعطي الحكم أو الفكرة أو الضابطة من الثبات والقوة و التجذر في النفوس ما يعطيه تجسيدها ، وصيرورتها واقعاً حياً ومتحركاً ، لأن الدليل العقلي أو الفطري مثلاً قد يقنع الإنسان ويهيمن عليه ، ولكن تجسد الفكرة يمنح الإنسان رضاً بها ، وثقة وسكوناً إليها ، على قاعدة : ( قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ) [1] . فالقناعة الفكرية والعقلية والعملية ، التي تستند إلى البرهان والحجة القاطعة متوفرة وليس فيها أي خلل أو نقص ، ولكن سكون النفس قد يحتاج إلى تجسيد الفكرة في الواقع الخارجي ليتلائم السكون النفسي ويتناغم مع تلك القناعة الفكرية والعقلية الراسخة ، ليكونا معا الرافد الثري للمشاعر والأحاسيس . وقد كانت الزهراء [ عليها السلام ] أول امرأة تجسدت فيها الأسوة والنموذج والمثل الأعلى لكل نساء العالمين ، بعد مسيرة طويلة للإنسانية ، كمل فيها عدد من النساء حتى كانت فاطمة ذروة هذا الكمال . وكما تجسد الإنسان الكامل بآدم [ عليه السلام ] أولاً ليكون واقعاً حياً ، يعيش إنسانيته بصورة متوازنة ، لا عشوائية فيها ، يعيشها بكل خصائصها وميزاتها ، وبكل خلوصها وصفائها وطهرها ، وبكل طاقاتها : فكراً ، وعقلاً ، وأدباً ،