ومن تدبر حق التدبر يعرف أن إشراف الفقهاء على الأمور إضافة لمنزلتهم الروحية ومنزلتهم الروحانية في القلوب هو أقوى الأسباب الموجبة لبقاء التشيع ، وحفظ آثار المعصومين ( عليهم السلام ) إلى زماننا هذا . إن هذه الولاية التي عرفت بعض شؤونها هي الحكومة الشرعية الحقة التي لم تنقطع من عصر سيد المرسلين ( صلى الله عليه وآله ) ، ولا تزال مستمرة باستمرار زمان التكليف ، لا يتفاوت الأمر في تحققها بين أن يكون ولي أمرها مبسوط اليد في جميع ما جعله الله في حوزة حكومته وهو الدنيا بما فيها ومن فيها أو مبسوط اليد في بعضه ، أو كان مرفوع اليد عن كله أو عن معظمه ، أو كان حاضرا أو ظاهرا على الأنام ، أو غائبا عن الأبصار . فالحكومة الشرعية منعقدة مستمرة بهذا الاعتبار ، والفقهاء العدول في عصر الغيبة هم الحاكمون شرعا والولاة على الأمور ، وهذا هو معنى قوله ( عليه السلام ) في توقيعه الرفيع كما سنشير إليه : ( فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله ) . وهذه هي الحكومة الشرعية التي يجب على المكلفين إطاعتها والانضواء تحت قيادتها ، حتى وإن كانوا ساكنين في دائرة غيرها ، فالمؤمن وإن كان في دار الكفر أو في بلاد المسلمين تحت سلطة غير شرعية : فإنه يجب عليه أن يكون منقادا لهذه الحكومة الشرعية التي جعل الإمام أمرها في عصر الغيبة بيد الفقهاء . ولا يخفى عليك أن ولاية الفقهاء في عصر الغيبة على هذا المبنى تكون كولاية الحكام والنواب المنصوبين من قبل الإمام في عصر الحضور ، وأن الأحكام السلطانية التي تصدر عن صاحبها يجب أن تكون لتنفيذ الأحكام الشرعية ، ولترجيح بعضها على البعض في موارد تزاحم الأحكام والحقوق ، فلا ترفع اليد بهذه الأحكام عن الحكم الشرعي بتاتا ، وإنما ترفع بها اليد عن الحكم المهم للأخذ بالأهم حسب تشخيص الحاكم بلزوم ترك حق أو جهة لحفظ حق أو جهة أهم . وعلى كل حال ، فكلامنا في المسألة ليس في الأحكام السلطانية ، بل في المناصب الولائية التي يستمد الفقيه منها صلاحيته لإصدار الأحكام السلطانية .