المرار من أبي لهب وأبي جهل وغيرهما ، والمصطلي لكل مكروه ، والشريك لنبيه في كل أذى ، قد نهض بالحمل الثقيل وناء بالأمر الجليل . ومَن الذي كان يخرج ليلاً من الشعب على هيئة السارق يخفي نفسه ويضائل شخصه ، حتى يأتي إلى من يبعثه إليه أبو طالب من كبراء قريش ، كمطعم بن عدي وغيره ، فيحمل لبني هاشم على ظهره أعدال الدقيق والقمح وهو على أشد خوف من أعدائهم كأبي جهل وغيره ، ولو ظفروا به لأراقوا دمه ! أعليٌّ كان يفعل دلك أيام الحصار في الشعب أم أبو بكر . . . ولقد كان يجيع نفسه ويطعم رسول الله « صلى الله عليه وآله » ويظمئ نفسه ويسقيه ، وهو كان المعلل له إذا مرض ، والمؤنس له إذا استوحش ، وأبو بكر بنجوة عن ذلك لا يمسه مما يمسهم ألم ، ولم يلحقه مما يلحقهم مشقة ، ولا يعلم بشئ من أخبارهم وأحوالهم إلا على سبيل الإجمال دون التفصيل ، ثلاث سنين محرمة معاملتهم ومناكحتهم ومجالستهم ، محبوسين محصورين ممنوعين من الخروج والتصرف في أنفسهم ! فكيف أهمل الجاحظ هذه الفضيلة ونسي هذه الخصيصة ولا نظير لها » ! 8 . وقد عمل رواة السلطة على التخفيف من جريمة حصار قريش للنبي « صلى الله عليه وآله » ، وتقليل مدته ! فقد ذكرت مصادرهم أن مدة الحصار ثلاث سنين ، وذكر بعضها أنه أربع سنين ، لكنهم اتفقوا على أن أبا طالب « رحمه الله » توفي بعد كسر الحصار بشهرين أو نحوها ، وقالت بعض الروايات إن وفاته « رحمه الله » كانت قبل